أعرب الدكتور يوسف بطرس غالي، وزير المالية الأسبق والخبير الاقتصادي الدولي، عن رفضه للأفكار المطروحة بشأن تسوية الديون الحكومية عن طريق التنازل عن الأصول العامة أو تحويلها، حيث اعتبر أن هذه الاقتراحات تفتقر إلى الأسس الاقتصادية الصحيحة وتعكس فهمًا قاصرًا لطبيعة الدين العام وآليات السيولة في الاقتصاد، وفي مداخلة هاتفية ببرنامج «المصري أفندي» على قناة الشمس مع الإعلامي محمد علي خير، أكد غالي أن إدارة الدول لا تتم بالأفكار الغريبة، مشددًا على أن الأزمات الاقتصادية الكبيرة تحتاج إلى سياسات تقليدية ثابتة أثبتت نجاحها في العديد من الدول.

قال غالي إن الديون الحكومية تمثل أموال المودعين في البنوك، متسائلًا بنبرة استنكارية: «عندما يطلب المودع أمواله، هل سنعطيه أسهمًا في شركة ملابس أو أصولًا غير سائلة؟»، وأضاف أن فكرة مبادلة الديون بالأصول تتجاهل دور البنوك في إدارة الودائع، مؤكدًا أن مثل هذه الأفكار قد تؤدي إلى أزمات أكبر بدلاً من حل المشكلة الأساسية

وشدد غالي على أن الانتظار لحلول سحرية للأزمة الاقتصادية هو وهم خطير، وأكد أن الحل الوحيد المستدام هو رفع معدلات النمو الاقتصادي الحقيقي، وجذب الاستثمارات المحلية والأجنبية، والسيطرة على التضخم وتحقيق الاستقرار المالي، وضرب مثالًا قائلًا: «إذا كان دخلك 500 جنيه ودينك 1000 جنيه فأنت في أزمة، لكن لو دخلك أصبح مليون جنيه، الألف جنيه لن تكون مشكلة»، موضحًا أن الحل الجذري يكمن في توسيع حجم الناتج المحلي وليس في إعادة تدوير الديون

وفيما يتعلق بمقترح طرح سندات دولية بضمان قناة السويس لجمع 100 مليار دولار، وصف غالي هذه الفكرة بأنها غير قابلة للتطبيق، متسائلًا: «من سيعطيك 100 مليار دولار؟»، وأوضح أن إيرادات قناة السويس تتراوح بين 5 و7 مليارات دولار سنويًا، وقد تنخفض إلى الصفر في حالات التوترات الإقليمية، في حين أن خدمة الدين الخارجي وحدها تتطلب فوائد سنوية تتراوح بين 8 و9 مليارات دولار، مما يجعل الرهان على القناة مقامرة خطيرة بالمالية العامة

وحذر غالي من أن رهن إيرادات قناة السويس سيؤدي إلى فجوة خطيرة في الموازنة العامة، مؤكدًا أن هذه الإيرادات تمثل مصدرًا أساسيًا لتمويل التعليم والصحة وخدمة الدين، متسائلًا: «كيف ستستبدل دخل القناة؟»، وشدد على أن فقدان هذا المورد السيادي سيقود الدولة إلى البحث عن بدائل أكثر كلفة وتأثيرًا سلبيًا على المجتمع

أشاد يوسف بطرس غالي بأداء وزير المالية الحالي، معتبرًا أن التركيز على تغيير آليات التنفيذ بدلاً من مجرد تعديل النصوص القانونية يمثل خطوة ذكية نحو إصلاح هيكلي حقيقي، مؤكدًا أن أزمة الاقتصاد المصري تاريخيًا لم تكن في القوانين بل في طريقة تطبيقها.

واختتم غالي تصريحاته بتشبيه مثير، قائلًا إن من ينتظر حلاً سحريًا للأزمة يشبه طالبًا يدخل الامتحان دون مذاكرة منتظرًا المعجزة، مؤكدًا أن الحلول الاقتصادية معروفة، لكن التحدي الحقيقي هو تطبيقها بأقل ضرر ممكن على الطبقات الأكثر فقرًا.