التاريخ يعيد نفسه، كما قال كارل ماركس، وهذا ما نراه اليوم في العلاقة بين الغرب والنظام الإيراني، حيث يسعى الكثيرون للإطاحة بالمرشد علي خامنئي، الذي يمثل إرث الخوميني مؤسس الجمهورية الإسلامية. لفهم الوضع الراهن في طهران والاحتجاجات المتزايدة بسبب الأوضاع الاقتصادية، يجب أن نعود قليلاً إلى الوراء إلى زمن الشاه محمد رضا بهلوي، الذي أسقطه الغرب بعد أن فقد السيطرة بسبب جنون العظمة. في تلك الفترة، اعتقد الشاه أنه يستطيع استخدام النفط كأداة في السياسة، وفي لحظة من الزمن، كان يعتقد أن علاقته مع إسرائيل، رغم عدم اعترافه بها رسمياً، ستضمن له الاستقرار. لكن حرب أكتوبر 1973 وضعت حدًا لهذه الأوهام، حيث بدأ الشاه في تشكيل تحالفات إقليمية، معتقدًا أن تاريخ عائلته في الحكم كافٍ لضمان استمرارية سلطته.
بداية السقوط
في عام 1975، بدأ السقوط الداخلي للنظام، حيث زادت الاحتجاجات من مختلف الفئات تجاه حكم الشاه، مما أدى إلى تحرك رجال الدين ضده، وبرز آية الله الخميني من باريس كرمز للاحتجاج. كانت خطبه تُهرّب إلى الداخل الإيراني لتشجيع الناس على الخروج ضد بهلوي. في تلك الفترة، كانت إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر ترى الشاه كحاكم مستبد، ولم تتدخل لحماية نظامه كما فعلت في عام 1953 عندما أعادته “سي آي إيه” إلى الحكم.
مع بداية عام 1979، كانت التحضيرات تكتمل، وخرج الشارع الإيراني ضد نظام بهلوي، وجاء الخميني على متن طائرة قادمة من فرنسا، رغم الاتفاقات التي كانت تضمن استمرار تبعية إيران للغرب. كان الخميني يحمل رؤية لتصدير الثورة الإسلامية إلى الدول المجاورة، مشيرًا إلى السعودية ومصر كأهداف رئيسية. وعندما وصل إلى طهران، لم يكن يرتدي زي الشاه الغربي، بل جاء بعمامته وعباءته، مما أطلق مرحلة جديدة في تاريخ الشرق الأوسط.
في تلك الأثناء، كانت الدول الخليجية، خاصة السعودية، ليست بالقوة التي هي عليها اليوم، مما شجع الخميني على الابتعاد عن الغرب والاقتراب من الشرق، مما أدى إلى ظهور صراعات مذهبية في المنطقة. لم تسلم الدول من تأثير هذا المد، حتى مصر البعيدة جغرافياً تعرضت للعداء، حيث كان الخميني يحرض ضد نظام الرئيس الراحل أنور السادات.
أخطاء الملالي
رغم شعارات النظام الإيراني العدائية تجاه أمريكا وإسرائيل، فقد كشفت حربه مع العراق عن علاقاته الوطيدة مع تل أبيب. في تلك الفترة، شهدت إيران فضيحة “إيران جيبت” التي كشفت عن نقل الأسلحة الأمريكية إلى إيران عبر إسرائيل. الغرب كان ينظر إلى النظام الإيراني كفزاعة لدول الخليج، مما ساهم في تسليح إسرائيل وخلق تحالفات جديدة في المنطقة.
ومع مرور الزمن، تغيرت الأوضاع، حيث انخرطت دول الخليج في شراكات اقتصادية وعسكرية مع الولايات المتحدة، وبرزت تحالفات جديدة مع إسرائيل. اليوم، يبدو أن هناك رغبة في التخلص من النظام الإيراني، وبدأت تتكرر الأحداث التاريخية، مما يثير تساؤلات حول الأسباب وراء هذا التوجه وما قد ينتج عنه من تداعيات.
أهداف أمريكا وإسرائيل
الولايات المتحدة تسعى حاليًا لإسقاط نظام خامنئي وتفكيك الجيش الإيراني، بينما تسعى إسرائيل لتحقيق أهدافها الاستراتيجية من خلال التخلص من إيران كقوة معارضة. هذا السقوط قد يفتح أمامهم المجال لتحقيق مزيد من النفوذ في المنطقة. ورغم أن النظام الإيراني قد سبب الكثير من الأزمات، إلا أن ما يحدث اليوم قد يقود إلى ظهور عملاء جدد للغرب، مما يستدعي التفكير في كيفية التعامل مع هذه التغيرات.
على النظام الإيراني أن يستوعب دروس التاريخ، وأن يسعى إلى تحسين أوضاع شعبه وتلبية مطالبه، بدلاً من اعتماد خطاب التخوين والإجراءات القمعية، حتى لا يسهل على الأعداء الوصول إلى أهدافهم.

