على مر مراحل الصراع في اليمن، كان الجنوب دائمًا جزءًا أساسيًا من المعادلة، فالقضية الجنوبية لم تُغلق رغم كل محاولات التهميش، وما زالت حاضرة بقوة في الوعي العام، حيث تتجدد المطالبة بحق تقرير المصير في كل تحول سياسي أو أمني، وهذا يعكس تاريخًا طويلًا من النضال، وليس مجرد مطلب عابر.
التطورات الأخيرة في جنوب اليمن أعادت هذا المطلب إلى السطح، فقد امتلأت الساحات بالحشود المطالبة باستعادة الدولة، ورغم مرور السنوات، يبقى هذا المطلب ثابتًا دون تغيير، مما يعكس عمق القضية الجنوبية في المشهد.
قضية راسخة
يقول مختار اليافعي، رئيس هيئة الشؤون الاجتماعية في المجلس الانتقالي الجنوبي، إن ما يحدث في الجنوب يعكس رسوخ القضية الجنوبية في الوعي الجمعي، مشيرًا إلى أن تنقل الجنوبيين بين أدوات نضالية مختلفة ليس تراجعًا، بل تطورًا في الأساليب دون المساس بجوهر المطالبة باستعادة الدولة.
ويضيف اليافعي أن تجاهل هذه الحقيقة سيعيد إنتاج الأزمات بطريقة أكثر تعقيدًا، ليس فقط داخل اليمن، بل على المستويين الإقليمي والدولي، مشددًا على أن حق استعادة الدولة يُطرح الآن ضمن إطار سياسي منظم، يتمتع بدعم إقليمي ودولي، مما يعزز من مكانته مقارنة بالمراحل السابقة التي كانت تشهد إقصاءً للصوت الجنوبي.
ويشير اليافعي إلى أن تجارب الجنوب، من شراكات قسرية وتهميش سياسي، قد شكلت قناعة راسخة بأن استعادة الدولة حق أساسي لبناء مستقبل عادل ومستقر، موضحًا أن هذه التجارب لم تُضعف القضية بل أعادت صياغتها كمشروع وطني جامع يعبر عن إرادة الشعب.
رفع سقف المطالب
من جانبه، يعتبر صالح أبو عوذل، رئيس مؤسسة اليوم الثامن للإعلام والدراسات، أن التطورات الأخيرة لم تُربك قضية استقلال الجنوب، بل رفعت من سقف المطالب، مؤكدًا أن أي حلول لا تعترف بحق تقرير المصير ستظل مؤقتة وقابلة للانفجار في أي لحظة.
ويحذر أبو عوذل من الرهان على إضعاف المجلس الانتقالي الجنوبي، فالقضية الجنوبية أوسع من أي إطار تنظيمي وتتمتع بجذور عميقة في الوعي الشعبي، كما أن استهداف القوات الجنوبية يمثل انتكاسة حقيقية لجهود محاربة التنظيمات المتطرفة.
خيبات الماضي
فضل الربيعي، رئيس مركز مدار للدراسات والبحوث، يشبّه القضية الجنوبية بطائر الفينيق، الذي ينهض من رماده، معتبرًا أن فهم حاضر الجنوب ومستقبله يتطلب النظر إلى ماضيه المثقل بخيبات الشراكة وخديعة الوحدة والحروب المتعاقبة.
ويشير الربيعي إلى أن جذور الصراع بين الشمال والجنوب ضاربة في عمق التاريخ، وأن محاولات تجاوز هذه الحقائق أدت إلى إعادة إنتاج الأزمات، حيث أن اختلال العلاقة بين العوامل الداخلية والخارجية كان سببًا في فشل التسويات السابقة.

