في زمن يتداخل فيه الخير والشر، أصبح من الشائع أن يُنظر إلى الارتزاق كنوع من الذكاء، والعمالة تُعتبر براعة سياسية، والخيانة تُلبس ثوب الواقعية، بعض الأشخاص باتوا يفخرون بقدرتهم على اللعب على كل الحبال، يعملون مع جميع الأطراف ليس من أجل الوطن بل من أجل مصالحهم الشخصية فقط.

الأمر الأكثر خطورة هو ظهور أشخاص يُعتبرون قيادات ومسؤولين، بينما يعرف الجميع أنهم مجرد مأجورين، ينفذون الأوامر دون أن يكون لهم رأي أو موقف وطني مستقل، يتغير خطابهم بحسب المصالح، وكأن المبادئ سلعة تُشترى وتُباع في سوق السياسة والإعلام.

ومعهم يظهر “المنظّرون” و”المطبّلون” في وسائل الإعلام، هؤلاء الذين لا يهمهم من يمدحون بقدر ما يهمهم تسوية أوضاعهم وضمان رواتبهم، يبيعون الكلمة والموقف، ولا يترددون في بيع الوطن مقابل حفنة من المال أو منصب زائل.

هؤلاء لا يعملون مع أي طرف من أجل مبدأ، بل يتاجرون بمعاناة الناس ويستفيدون من الأزمات، يتضخم دورهم كلما ضاقت آفاق الوطن في أعينهم، لا يعرفون معنى التضحية ولا يفهمون قيمة الانتماء، بالنسبة لهم الوطن مجرد محطة مؤقتة والمبدأ مجرد شعار يُستخدم عند الحاجة.

المشكلة ليست في وجود هؤلاء، فكل زمن فيه من ينقصهم الوعي، بل في محاولة تقديمهم كنماذج للنجاح، حين يُقال للشباب إن “الشطارة” تعني بيع النفس لمن يدفع أكثر، فإننا نصنع جيلًا بلا جذور ولا هوية ولا ضمير.

الوطن لا يُبنى بالمأجورين ولا يُحفظ بالمطبّلين، يحتاج إلى أشخاص يقولون “لا” عندما يجب أن تُقال، ويقفون بمفردهم إذا لزم الأمر، ويخسرون المال والمناصب ولا يخسرون أنفسهم، يحتاج إلى من يعرف أن الكرامة أغلى من الراتب وأن الموقف أنقى من أي صفقة.

سيظل الارتزاق موجودًا وستظل العمالة تحاول أن تلبس ثوب الشطارة، لكن سيكون هناك دائمًا من يميز بين الذكاء والخيانة، وبين السياسة والانتهازية، وبين العمل من أجل الوطن والعمل على حسابه، والتاريخ لا يرحم، يذكر الشرفاء مهما كانوا قلة ويكشف المأجورين مهما امتلأت بهم الشاشات.

نتذكر هنا كلمة الشهيد الزعيم علي عبدالله صالح حين قال: “ما فيش عميل يصبح زعيم”