كشفت شركة بلاك روك، أكبر مدير أصول في العالم، عن تغيير ملحوظ في توجهات المستثمرين تجاه الاستثمارات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي، حيث أصبحت شركات الطاقة والبنية التحتية تتصدر قائمة الخيارات أمام المستثمرين على حساب عمالقة التكنولوجيا الأمريكيين، رغم استمرار الاعتقاد بقوة الذكاء الاصطناعي على المدى الطويل.
في تقريرها بعنوان “اتجاهات الاستثمار” أوضحت بلاك روك أن المستثمرين لا يزالون يرون في الذكاء الاصطناعي محركًا رئيسيًا للنمو، لكنهم أصبحوا أكثر انتقائية في اختيار القطاعات المستفيدة، نظرًا لوجود مخاوف متزايدة بشأن عدم وضوح العائد على رأس المال وارتفاع تكاليف الاقتراض المرتبطة بالاستثمارات الكبيرة في مراكز البيانات.
هيمنة عمالقة التكنولوجيا تتراجع لصالح الطاقة والبنية التحتية
في عام 2025، كانت أسهم شركات التكنولوجيا الكبرى والذكاء الاصطناعي تهيمن على الأسواق المالية، وذلك بسبب سباق استثماري ضخم بين شركات مثل مايكروسوفت وميتا وألفابت لبناء مراكز بيانات ضخمة لدعم نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة.
لكن هذا السباق، الذي تُقدّر تكلفته بتريليونات الدولارات، بدأ يثير تساؤلات بين المستثمرين حول جدوى هذه الاستثمارات وقدرتها على تحقيق عوائد مستدامة، خاصة مع ارتفاع تكاليف التمويل والضغوط على الميزانيات العمومية.
استطلاع أجرته بلاك روك شمل 732 شركة في أوروبا والشرق الأوسط وإفريقيا أظهر أن 20% فقط من المشاركين يعتبرون أكبر شركات التكنولوجيا الأمريكية فرصة استثمارية جذابة في مجال الذكاء الاصطناعي في الفترة المقبلة.
في المقابل، أظهر الاستطلاع أن أكثر من نصف المستثمرين يفضلون الاستثمار في مزودي الطاقة اللازمة لتشغيل مراكز البيانات، مما يعكس إدراكًا متزايدًا بأن البنية التحتية للطاقة أصبحت عنصرًا حاسمًا في منظومة الذكاء الاصطناعي العالمية.
كما أن 37% من المشاركين وضعوا قطاع البنية التحتية في مقدمة خياراتهم الاستثمارية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، مما يدل على تحول استراتيجي نحو القطاعات الداعمة وغير المباشرة للتكنولوجيا، بدلاً من التركيز فقط على شركات البرمجيات والمنصات الرقمية.
إدارة المخاطر في عصر الذكاء الاصطناعي
بلاك روك أكدت على أهمية تبني نهج متوازن في إدارة المحافظ الاستثمارية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، حيث أشار إبراهيم كنعان، رئيس قسم الأسهم الأمريكية الأساسية في بلاك روك، إلى أن المرحلة المقبلة تتطلب إدارة أفضل للمخاطر، خاصة فيما يتعلق بالانكشاف المفرط على الشركات الكبرى ذات القيم السوقية المرتفعة.
المستثمرون يسعون الآن إلى تنويع مصادر العائد، من خلال الجمع بين التعرض لقطاع الذكاء الاصطناعي والاستفادة من الفرص المتاحة في قطاعات الطاقة والبنية التحتية، التي قد تحقق مكاسب مستقلة عن تقلبات أسهم التكنولوجيا الكبرى.
رغم الجدل حول التقييمات المرتفعة لأسهم الذكاء الاصطناعي، أظهر استطلاع بلاك روك أن المخاوف من تكوّن فقاعة سوقية لا تزال محدودة، حيث قال 7% فقط من المشاركين إنهم يعتقدون أن موجة الذكاء الاصطناعي تمثل فقاعة استثمارية، مما يشير إلى استمرار الثقة العامة في الأسس طويلة الأجل لهذا القطاع.
تقرير بلاك روك يعكس تحولًا تدريجيًا في نظرة المستثمرين إلى الذكاء الاصطناعي، من كونه رهانًا مباشرًا على شركات التكنولوجيا الكبرى إلى منظومة أوسع تشمل الطاقة والبنية التحتية الرقمية، ومع اقتراب عام 2026، يبدو أن الرابحين من طفرة الذكاء الاصطناعي قد لا يقتصرون على وول ستريت وشركات وادي السيليكون، بل سيمتدون إلى القطاعات التي تملك القدرة على تشغيل هذه الثورة من الأساس.

