يبدو أن النحاس أصبح له دور كبير في الاقتصاد العالمي، حيث انتقل من كونه مجرد معدن تقليدي إلى عنصر أساسي في الصراعات الجيوسياسية، وأصبح مرتبطًا بالتكنولوجيا والطاقة والأمن القومي، خاصة مع تسارع التطورات في الذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة، مما زاد من الطلب عليه بشكل كبير، وبرزت الفجوة بين العرض والطلب بشكل واضح، مع وجود ضغوط على سلاسل الإمداد بسبب قيود تنظيمية وتقدم المناجم.
هذه التغيرات تعيد تشكيل معادلة الأسعار والاستثمار في سوق النحاس، مما يجعله حجر الزاوية للبنية التحتية التكنولوجية، وأصبح مؤشرًا مهمًا على اتجاهات الاقتصاد العالمي في المستقبل. تقرير لمؤسسة ستاندرد آند بورز العالمية أشار إلى أن النحاس شهد ارتفاعًا كبيرًا في الأسعار، حيث زاد بنسبة 44% بنهاية عام 2025، ويتوقع أن يستمر الطلب في الارتفاع بشكل كبير حتى عام 2040، بينما يبقى العرض محدودًا، مما قد يؤدي إلى عجز كبير في السوق.
الباحثون يتوقعون أنه إذا لم يتم اكتشاف مناجم جديدة، فإن إنتاج النحاس قد يصل إلى ذروته بحلول عام 2030، مما سيؤدي إلى عجز عالمي يصل إلى 10 ملايين طن بحلول عام 2040. نائب الرئيس في ستاندرد آند بورز غلوبال إنرجي، كارلوس باسكوال، ذكر أن العديد من الدول اعتبرت النحاس معدنًا حيويًا، وهذا يعكس أهميته في الربط بين التكنولوجيا التقليدية والرقمية.
في سياق آخر، الدكتورة وفاء علي، أستاذة الاقتصاد والطاقة، تشير إلى أن المعادن أصبحت سلاحًا في الحرب الاقتصادية بين القوى الكبرى مثل الولايات المتحدة والصين، حيث تتزايد المخاوف من الاعتماد على المعادن الحرجة، مثل النحاس، الذي يعتبر ضروريًا للبنية التحتية للذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة. الأسعار في الأسواق العالمية تشهد تقلبات كبيرة، مما يزيد من حدة المنافسة بين الصناعات المختلفة.
سعر النحاس ارتفع بشكل تاريخي نتيجة التوترات الجيوسياسية وشح المعروض، مما يفرض تحديات على الصناعات التي تعتمد عليه. الدكتورة وفاء تتوقع أن تستمر الأسعار في الارتفاع حتى عام 2040، مدعومة بالطلب المتزايد، بينما يحتاج قطاع التعدين لاستثمارات ضخمة لمواكبة هذا الطلب.
في العام الماضي، شهد النحاس إقبالًا كبيرًا مما ساهم في ارتفاع أسعار المعادن الأخرى مثل الذهب والفضة. بعض المحللين يرون أن الأسعار قد تنخفض في المستقبل القريب، لكن الأهمية الصناعية للنحاس قد تدعمه في البقاء مرتفعًا. كبير الاقتصاديين في شركة إنترأكتيف بروكرز، خوسيه توريس، يرى أن العرض المحدود قد يحافظ على ارتفاع الأسعار.
ريتا أدياني، الرئيسة التنفيذية لشركة تايتان للتعدين، تتوقع أن الطلب المتزايد سيؤدي إلى ارتفاع الأسعار، حيث يعتمد الكثير من هذا الطلب على قطاعات الكهرباء والشبكات ومراكز البيانات. الدكتور مصطفى البزركان أشار إلى أن النحاس قد لحق بموجة الارتفاعات في أسعار المعادن، وأن الطلب العالمي عليه تجاوز 28 مليون طن في 2025، ومن المتوقع أن يصل إلى 42 مليون طن بحلول نهاية العقد.
أكبر الدول المستهلكة للنحاس تشمل الصين والولايات المتحدة وألمانيا واليابان، مما يشير إلى اعتماد الاقتصادات الكبرى على هذا المعدن الحيوي، ويعني أن هناك حاجة لزيادة الاستثمارات في إنتاج النحاس لتلبية الطلب المتزايد في السنوات المقبلة.

