اليمن يخرج من حالة السكون التي كاد أن يغرق فيها ليصبح منسيًا، ويعود ليكون في دائرة الضوء، فالأحداث هناك تثير اهتمام العالم من جديد، وهو بلد يشكل جزءًا أساسيًا من الأمة العربية، وليس مجرد مكان بعيد يستحق الإهمال. أمن اليمن واستقراره أمر حيوي للأمن القومي العربي، فالتفكك في هذا البلد ليس مجرد مشكلة محلية، بل له آثار كبيرة على المنطقة بأسرها.
على مدى أكثر من ستة عقود، عاش اليمن تجارب سياسية متنوعة تستحق التأمل، رغم أن الثمن كان باهظًا بسبب الصراعات المستمرة، فقد شهدت البلاد أحداثًا مهمة مثل الاستقلال والوحدة، بالإضافة إلى حروب واسعة النطاق بين شطري اليمن في عامي 1972 و1979، ثم الحرب بعد الوحدة في عام 1994، فضلاً عن الانقلابات والتوترات المتكررة في كلا الشطرين.
ورغم كل هذه التجارب، يبقى الوضع الحالي في اليمن بحاجة إلى فهم أعمق، خاصة في ضوء التطورات الأخيرة.
لا يزال المشهد اليمني بحاجة إلى قراءةٍ أعمق (أ ف ب).
على مدى ثلاثة وعشرين عامًا من 1967 إلى 1990، عاش الشطر الجنوبي تجربة جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، التي شهدت تعاقب خمسة رؤساء، بينما الشطر الشمالي شهد جمهورية عربية يمنية استمرت ثمانية وعشرين عامًا، مع خمسة رؤساء أيضًا، وكلاهما واجه تحديات وصراعات سياسية متنوعة.
في الثاني والعشرين من مايو عام 1990، تم إعلان الوحدة اليمنية، التي كانت فرصة تاريخية للتوافق الوطني، لكن هذه الفرصة أُجهضت بحرب 1994، والتي تركت آثارًا عميقة على الوطن. ثم جاءت أحداث 2011، وتلاها سقوط صنعاء بيد الحوثيين في سبتمبر 2014، مما أدى إلى حرب مفتوحة تستمر حتى اليوم.
اليوم، يقف اليمن عند مفترق طرق معقد وخطير، ورغم التجارب السياسية الطويلة، يبقى مشروع الدولة الوطنية الشاملة غائبًا، فقد عاش اليمن ثلاث تجارب رئيسية: الجمهورية العربية اليمنية في الشمال، وجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية في الجنوب، ثم الجمهورية اليمنية الموحدة
لكن لم يكن لأي من هذه التجارب فرصة كافية لبناء دولة مستقرة، إذ كانت سنوات الاضطراب أكثر من سنوات الاستقرار، وفقد اليمن فرصه في بناء دولة حديثة بعد الوحدة في 1990، وهذه الإخفاقات ليست نتيجة حتمية، بل هي نتيجة سوء الإدارة وغياب مشروع وطني شامل.
تبقى وثيقة مخرجات الحوار الوطني الشامل من 2013 إلى 2014 أساسًا لأي رؤية جادة لإعادة بناء الدولة الحديثة، فهي تحمل مبادئ العيش المشترك وقبول الآخر، وتعلم من دروس الماضي المؤلمة.
من الضروري الآن وضع رؤية لدولة يمنية تراعي التنوع وتعزز تكامل الأقاليم، دون العودة إلى احتكار السلطة أو الثروة، فإرساء أسس اليمن الاتحادي أصبح حاجة ملحة للسلام وترسيخ الدولة، في حين أن فرض رؤى مذهبية أو تعزيز سلطات مركزية كما يقترح الحوثيون لن يؤدي إلا إلى المزيد من التدمير.
بناء المستقبل يبدأ بخروج اليمن من دوائر الصراع، نحو رؤية تضمن العيش الكريم للجميع، رؤية لا تخضع لنزعات مركزية، بل تسعى لتحقيق التنمية والنمو في البلاد.
الوقت الآن يتطلب صوت النخبة الواعية، التي عليها أن ترفع صوت العقل والحكمة، وعدم ترك الفراغ لصوت البنادق، مما قد يؤدي إلى مزيد من العنف والتفكك.
تعزيز الاصطفاف الوطني لحماية قيم المواطنة العادلة وصون وحدة الوطن المتنوعة هو شرط أساسي لبناء المستقبل، فالتنوع، عندما يقوم على القبول والاحترام، يتحول إلى مصدر قوة.
لقد انشغلنا لعقود في صراعات متكررة، حتى أصبح الإنجاز مجرد إطفاء للحرائق، وليس بناءً حقيقيًا للدولة، وسؤال العقد الاجتماعي الذي يعد أساسًا لأي مشروع حضاري حقيقي قد تراجع.
ستبقى الحكمة يمنية، فاستقرار هذا الوطن يعني استقرار المنطقة، وهو جزء أساسي من الأمة العربية، ومهد تاريخها بكل جماله.

