لأعوام طويلة، كانت وحدات معالجة الرسوميات (GPUs) هي القلب النابض لتطور الذكاء الاصطناعي، حيث ساهمت بشكل كبير في تدريب النماذج الضخمة، مما جعل إنفيديا رائدة في سوق الرقائق على مستوى العالم. لكن الآن، مع صفقة إنفيديا البالغة 20 مليار دولار مع شركة Groq، يبدو أن هناك تحولًا استراتيجيًا جديدًا، مما يعني أن المستقبل القريب للذكاء الاصطناعي لن يعتمد فقط على بطاقات الرسوميات.

يشهد سوق الذكاء الاصطناعي تغيرًا سريعًا، حيث ننتقل من مرحلة تدريب النماذج إلى تشغيلها في التطبيقات اليومية، وهو ما يسمى الاستدلال، حيث تُستخدم النماذج للإجابة عن الأسئلة وتوليد المحتوى والتفاعل مع المستخدمين في الزمن الحقيقي. وفقًا لتقديرات محللي RBC Capital، من المتوقع أن يصبح الاستدلال السوق الأكبر في حوسبة الذكاء الاصطناعي، متجاوزًا التدريب من حيث الحجم والقيمة في السنوات المقبلة.

الاستدلال يختلف تمامًا عن التدريب من حيث المتطلبات التقنية، فالتدريب يحتاج إلى قوة حوسبة هائلة ومرونة عالية، بينما الاستدلال يركز على السرعة وزمن الاستجابة المنخفض وكفاءة الطاقة وتكلفة أقل لكل عملية. هنا تظهر أهمية Groq، الشركة التي أسسها مهندسون سابقون في جوجل، حيث تطوّر نوعًا خاصًا من الشرائح يسمى Language Processing Units (LPUs)، والتي تم تصميمها خصيصًا لمهام الاستدلال.

تعتمد شرائح Groq على بنية صارمة تشبه خطوط الإنتاج، مما يقلل من الهدر ويحقق أداءً أسرع واستهلاك طاقة أقل، وهذا ما يجعلها غير مناسبة لتدريب النماذج، لكنها تمنحها تفوقًا واضحًا في الاستدلال. بينما وحدات الـ GPU مصممة لتكون مرنة وقادرة على التعامل مع أنواع متعددة من المهام، مما جعلها الخيار الأمثل للتدريب، لكن هذا يضيف أعباءً غير ضرورية عند تشغيل النماذج في الزمن الحقيقي.

وصف توني فاديل، مبتكر جهاز iPod وأحد المستثمرين في Groq، الصفقة بأنها تحول كبير في صناعة أشباه الموصلات، حيث اعتبر أن الـ GPU قد حسمت الموجة الأولى من الذكاء الاصطناعي، بينما سيكون الاستدلال هو المحور الرئيسي في المرحلة المقبلة. ويرى محللون في TD Cowen أن اعتماد إنفيديا على هندسة جديدة يعكس نضوج سوق الاستدلال، وينهي الفكرة القديمة التي تقول إن شرائح التدريب اليوم ستكون شرائح الاستدلال غدًا.

يتوقع خبراء مثل كريس لاتر، أحد مهندسي شرائح TPU في جوجل، أن مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي ستشهد تنوعًا كبيرًا في الشرائح، حيث ستعمل وحدات GPU جنبًا إلى جنب مع شرائح متخصصة، كل منها مُصممة لنوع مختلف من أعباء العمل. تُعتبر صفقة Groq خطوة استباقية من إنفيديا، في ظل المنافسة المتزايدة من شركات أخرى تطور شرائح للاستدلال، مثل Google وAmazon. بدلاً من ترك هذا السوق ينمو بعيدًا عنها، اختارت إنفيديا احتضان بنية مختلفة لتعزيز مكانتها في منظومة أكثر تنوعًا.

اقتصاديًا، يُعتبر الاستدلال المرحلة التي تحقق العوائد الفعلية من استثمارات الذكاء الاصطناعي، حيث يمثل نقطة الاتصال المباشر مع المستخدمين والخدمات التجارية. لذلك، لا تضع إنفيديا كل رهاناتها على بديل واحد، بل على منظومة متكاملة تتضمن GPUs للتدريب والمهام المرنة، وشرائح متخصصة للاستدلال السريع، وبرمجيات تربط كل ذلك معًا. وبذلك، لا تعني صفقة Groq نهاية دور الـ GPU، بل تعلن نهاية احتكارها الكامل لعالم الذكاء الاصطناعي، وتبدأ عصرًا جديدًا تتقاسم فيه الأدوار معماريات متعددة، كل منها يؤدي المهمة التي صُممت من أجلها.