في عام 2011، وفي فندق بمدينة عدن، جاء رجلان قدما نفسيهما كممثلين عن “الحراك الجنوبي” الانفصالي، وكان معهما رسالة رسمية موجهة إلى “ملكة إنجلترا”. قالا إنهما يحتفظان بسيارة رولز-رويس استخدمتها الملكة إليزابيث خلال زيارتها لعدن عام 1954، وعرضا عليها استعادتها في أي وقت، لكن ما أراداه في الحقيقة كان أكثر أهمية من ذلك. فقد اعتقدا أن هناك “خطأ تقني” في وثيقة الاستقلال البريطانية، مما يعني، من وجهة نظرهما، أن عدن وحضرموت لا تزالان تحت التاج البريطاني.
في ذلك الوقت، بدت تلك المطالب كنوع من الحنين السياسي الرومانسي، لكن الأحداث الأخيرة في اليمن أعادت إحياء هذا الحلم، ليس عبر بريطانيا بل من خلال الإمارات العربية المتحدة، التي اتُهمت بطموحات شبه إمبراطورية. لكن النتيجة لم تكن استقلال الجنوب، بل صدام مع السعودية هزّ التحالف الخليجي.
في الثاني من ديسمبر، شنت قوات “المجلس الانتقالي الجنوبي” المدعوم إماراتيًا هجومًا سريعًا، وسيطرت على معظم حضرموت ومحافظة المهرة، وخلال أيام قليلة، أصبحت المحافظات الثماني التي كانت تشكل جنوب اليمن تحت سيطرة الانفصاليين، مما أوحى بإعادة رسم خريطة البلاد بعد سنوات من حرب مدمرة أودت بحياة نحو 377 ألف شخص.
بدا أن أبوظبي نجحت في فرض واقع جديد يعزز نفوذها الاستراتيجي في جنوب اليمن، لكن هذا “الانتصار” لم يستمر طويلاً. بعد أسبوعين، تدخلت السعودية عسكريًا بشكل حاسم، وأجبرت القوات الانفصالية على التراجع السريع، وهو ما كان إعلانًا صريحًا عن دخول العلاقة بين الرياض وأبوظبي مرحلة أزمة.
على مدى سنوات، تحركت الدولتان كقوة واحدة، لكن الخلاف بينهما أصبح واضحًا، وهو ما وصفه أحد المحللين بأنه “طلاق علني”. التوتر لم يكن مقتصرًا على اليمن فقط، بل امتد إلى السودان وأسواق النفط وثقة المستثمرين، مما قد يعزز نشاط القاعدة في اليمن.
واشنطن تدخلت في الأزمة بقلق، حيث كثف وزير الخارجية الأميركي اتصالاته مع الطرفين لمحاولة احتواء التصعيد، فالصراع بين حليفين رئيسيين للولايات المتحدة يهدد بتقويض التوازن الإقليمي الذي عملت واشنطن على ترسيخه.
منذ بداية تدخلهما في اليمن عام 2015 لمواجهة الحوثيين المدعومين من إيران، بدأت أهداف الرياض وأبوظبي تتباعد تدريجيًا، حيث ركزت السعودية على أمن حدودها، بينما توجهت الإمارات نحو الموانئ الجنوبية وخطوط الملاحة. ومع تصاعد التنافس بينهما، تحول التعاون إلى تنافس ثم إلى صدام في ساحات متعددة.
اليوم، رغم انسحاب القوات الإماراتية لتجنب مزيد من التصعيد، يخشى المحللون أن تتحول اليمن إلى ساحة حرب بالوكالة بين الحليفين السابقين، فالإمارات لا تزال تمتلك نفوذًا واسعًا على الأرض. والأسوأ من ذلك، أن تداعيات هذا الصراع قد تمتد إلى مناطق أخرى، مما يجعل الوضع الإقليمي أكثر هشاشة.
وفي النهاية، يبقى الخاسر الأكبر هم اليمنيون، الذين عانوا من ويلات الحرب، ويواجهون خطر دفع ثمن صراع نفوذ جديد لا علاقة لهم به.

