في مثل هذا اليوم من يناير عام 1932، ذهب الدكتور طه حسين، عميد كلية الآداب بجامعة القاهرة حينها، برفقة الدكتور عبد الوهاب عزام، إلى وزير المعارف محمد حلمي عيسى ليبلغه رفضه القاطع لمنح درجات الدكتوراه الفخرية لعدد من السياسيين، وذلك حفاظًا على استقلال الجامعة وهيبتها. خلال اللقاء، قال طه حسين عبارته الشهيرة: «عميد كلية الآداب ليس عمدة يا معالي الوزير».

كان طه حسين في منصب عميد كلية الآداب عندما طلب منه الوزير الموافقة على منح الدكتوراه الفخرية لعدد من الأجانب من جنسيات مختلفة، مثل الإنجليزية والفرنسية والإيطالية والألمانية والبلجيكية، بالإضافة إلى عدد من المصريين، من بينهم الوزير محمد حلمي عيسى نفسه، ومدير الجامعة أحمد لطفي السيد الذي رفض الأمر مؤكدًا استحالة طلبه درجة علمية لنفسه، كما ذكر الدكتور محمد حسن الزيات، زوج ابنة طه حسين، في كتابه «ما بعد الأيام». شملت القائمة أيضًا رئيس مجلس الشيوخ يحيى إبراهيم باشا ورئيس مجلس النواب توفيق رفعت باشا والوزير علي ماهر، بمناسبة زيارة الملك فؤاد للجامعة لافتتاح مبناها الجديد والاحتفال بمرور 25 عامًا على إنشائها.

بعد موقف طه حسين، طلب أحمد لطفي السيد، مدير الجامعة، من عمداء الكليات التوجه إلى وزير المعارف للتباحث حول هذا الطلب، لكن المساعي لم تُفضِ إلى نتيجة. لجأ مدير الجامعة إلى القواعد المتبعة بعرض الأمر على مجالس الكليات، ولكن طه حسين اعترض مرة أخرى، مؤكدًا أن مرسوم الجامعة ينص على أن مجلس الجامعة، بناءً على قرار مجلس الكلية، هو الجهة المختصة بمنح درجات الشرف، وليس للوزير أن يقرر أو يقترح ذلك.

أدرك طه حسين أن الهدف الحقيقي من طلب الوزير هو استخدام الجامعة لإقامة مهرجان سياسي كبير للحكومة بحضور الملك، كما أبدى دهشته من منح الدرجات العلمية لهؤلاء الأجانب غيابيًا دون حضورهم لتسلّمها. استشهد بجامعة باريس التي منحت الدكتوراه الفخرية للرئيس الأمريكي ويلسون، حيث أصرّت على حضوره شخصيًا لتسلّم الدرجة.

تساءل طه حسين: لماذا نقلل من شأن جامعتنا وبلادنا؟ وكيف تُوزع شهادات الدكتوراه وفق الجنسيات؟ وأكد ثقته في أن مجلس كلية الآداب سيرفض طلب الوزير، مع عدم يقينه من موقف باقي الكليات مثل العلوم والحقوق والطب.

نتيجة لهذا الموقف، أصدر وزير المعارف قرارًا باستبعاد طه حسين من عمادة كلية الآداب ونقله إلى ديوان الوزارة، ومع رفضه تسلّم المنصب الجديد، أُحيل إلى التقاعد عام 1932. لكن طه حسين لم يستسلم، بل خاض معارك عدة دفاعًا عن حقه وعن استقلال الجامعة وكرامة التعليم، ليُعاد إلى كلية الآداب أستاذًا للأدب العربي عام 1934، ثم عميدًا لها مرة أخرى عام 1936. بعد صدامه مع حكومة محمد محمود، استقال من العمادة مكتفيًا بالتدريس، قبل أن يتولى إدارة جامعة الإسكندرية عام 1942، ويُحال إلى التقاعد النهائي عام 1944.

تاريخ الدكتور طه حسين، المولود عام 1889 والمتوفى عام 1973، يمتد طويلًا في مجال التعليم بمصر، سواء أستاذًا أو عميدًا أو مديرًا أو وزيرًا، وهو صاحب المقولة الشهيرة «العلم كالماء والهواء». بسبب مقالاته السياسية في جريدة «السياسة»، التي كانت لسان حال حزب الأحرار الدستوريين الذي كان ينتمي إليه، أُحيل إلى التحقيق، لكنه رفض المثول أمام جهات التحقيق لعدم قانونيتها.

بعد إلحاق الجامعة المصرية بالدولة، عُيّن طه حسين أستاذًا للأدب العربي ثم عميدًا لكلية الآداب عام 1928، لكنه استقال بعد يوم واحد فقط بسبب الهجوم الذي تعرض له من الوفديين. في عام 1930، عاد مجددًا إلى عمادة كلية الآداب لمدة عامين، قبل أن يُستبعد مرة أخرى في عهد وزير المعارف محمد حلمي عيسى.