شمال اليمن وجنوبه يمثلان كيانين مختلفين تمامًا، وكأنهما يعيشان في عوالم متباينة برؤى يصعب التوفيق بينها، مهما كانت رغبات السعودية في هذا الشأن.
في الثاني من يوليو عام 1979، صعد الرئيس العراقي صدام حسين إلى منصة الخطابة أمام مجموعة من كبار أعضاء حزب البعث، كان الاجتماع يبدو عاديًا لمناقشة شؤون الحزب، لكن صدام كان له رأي آخر، فقد أعلن عن مؤامرة تستهدفه وذكر أسماء 68 مسؤولًا كان قد قرر مصيرهم بالإعدام. هذا المشهد يذكرنا بمؤتمر سعودي حديث لليمنيين، حيث دعا رشاد العليمي، وزير الداخلية السابق في عهد علي عبد الله صالح، إلى الاجتماع، لكنه كان مجرد واجهة، إذ أن سلطته جاءت من تعيينه من قبل السعودية، وهو يقيم في الرياض.
تقدم قوات عيدروس الزبيدي إلى حضرموت والمهرة أثار غضب السعوديين، حيث كانت هاتان المنطقتان معروفة بتهريب السلاح وتسلل الجماعات الإرهابية، ومع التغيرات السريعة على الأرض، طلبت السعودية من العليمي الدعوة للاجتماع. في تلك اللحظة، كانت هناك قوتان فقط قادرتان على السيطرة على الأرض: المجلس الانتقالي الجنوبي بقيادة الزبيدي، وقوات المقاومة الوطنية بقيادة طارق صالح. كان السعوديون قلقين من توسع الزبيدي في حضرموت والمهرة، حيث ساهمت الولاءات القبلية والتنظيم الإخواني المدعوم سعوديًا في تسهيل عمليات التهريب. وفي الوقت الذي كان الحوثيون يسيطرون فيه على ميناء الحديدة، كانت جماعة الإخوان وبعض القبائل في حضرموت تمد مأرب بالسلاح.
وبينما يبدو أن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان مشغول بتنافسه مع محمد بن زايد، فإن اليمن بالنسبة له يبدو وكأنه مجرد ساحة للفشل والإرهاب، فهو يفضل أن تبقى الأمور كما هي بدلاً من أن تتفوق أي قوة إماراتية على أدواته الخاصة، رغم أن أبوظبي تدعم قوى قادرة على الحكم بينما تترك السعودية كيانات ضعيفة.
عندما وصل أعضاء المجلس الانتقالي الجنوبي إلى الاجتماع، تم مصادرة هواتفهم وتعرض بعضهم للضرب، وطُلب منهم الموافقة على حل تنظيمهم تحت الضغط. بينما رفض الأعضاء الذين لم يشاركوا في الاجتماع هذا النوع من الدبلوماسية، خشية أن يتكرر معهم ما حدث لخصوم محمد بن سلمان في فندق “ريتز كارلتون”.
في الوقت الذي تحتفل فيه السعودية بما تعتبره انتصارًا، تسخر من الجنوبيين، بينما تسعى لتجاهل الحقائق على الأرض. يبدو أن محمد بن سلمان وفريقه لا يدركون أن أي بناء دون أساس متين سيؤدي حتمًا إلى الانهيار. خرج الجنوبيون في تظاهرات احتجاجًا على السعودية وقواتها، وعلى جماعة الإخوان المسلمين التي يدعمها محمد بن سلمان.
في ذات الوقت، سيطرت قوات “درع الوطن” على المكلا وأدارت مطار سقطرى، ودخلت عدن بغطاء جوي سعودي، ولكن بدلاً من استقبالهم بالترحاب، واجهتهم مسيرات احتجاجية من الجنوبيين الذين رددوا هتافات مؤيدة للزبيدي.
ربما كانت “خطيئة” الزبيدي في نظر السعوديين دعوته لاستفتاء شعبي تحت إشراف دولي لتحديد مستقبل جنوب اليمن، بينما يكرر السعوديون والأمريكيون والبريطانيون شعار “فوائد الوحدة اليمنية” رغم أن الواقع يشير إلى أن ضم الجنوب قسراً كان سببًا في عدم الاستقرار.
تاريخيًا، ظل جنوب اليمن منفصلًا عن صنعاء لنحو قرنين، ولم يحدث الاندماج إلا في عام 1990، وكان ذلك بمثابة “زيجة جحيمية”. ورغم أن الحرب الأهلية في 1994 انتهت بإجبار الجنوب على البقاء في اتحاد غير مرغوب فيه، فإن هذا لم يمنع الجنوبيين من السعي لاستعادة دولتهم.
للثقافة والتاريخ دور كبير، فبينما سعت الإمامة الحوثية إلى السيطرة على الداخل، عمل البريطانيون على تحديث الجنوب ودمجه بالعالم. هذه الفروقات تتجلى بوضوح في اليمن، حيث يتحدث الجنوبيون عن تاريخهم وتنوعهم المذهبي، بينما يسعى الحوثيون والسعوديون إلى قمع هذا التنوع.
ورغم أن النظام الماركسي في الجنوب عزلهم عن العالم، إلا أنه ترك بصمات عميقة في ثقافتهم. واليوم، يبدو أن الشمال والجنوب يمثلان دولتين مختلفتين برؤى متناقضة لا يمكن التوفيق بينها. محاولات السيطرة لم تؤد إلا إلى ترسيخ الهوية الجنوبية.
إن المطالب الجنوبية ليست بالضرورة معادية للمصالح السعودية، إلا إذا كان محمد بن سلمان يقر بأن السيطرة على مناطق كانت مستقلة سابقًا، مثل الحجاز، ليست بالمتانة التي تبدو عليها. اليمن لا ينبغي أن يتحمل ثمن هواجس السعودية، وعندما انسحب البريطانيون، تركوا إطارًا جامعًا لمجموعة من الإمارات، ومع استمرار المطالب بالحكم الذاتي في حضرموت، ورفض عدن للهيمنة السعودية، تبقى فكرة “الجنوب العربي” هي الحل الوحيد لإعادة تركيب ما تحطم. ويبقى السؤال: كم من اليمنيين والسعوديين يجب أن يسقطوا قبل أن يدرك محمد بن سلمان هذه الحقيقة؟

