لم يعد من الممكن النظر إلى الأحداث في الوطن العربي كاختلافات في وجهات النظر أو تباين في التقديرات السياسية، فنحن أمام مشهد واضح تتكرر فيه النتائج، وتؤدي دائمًا إلى إضعاف الدول العربية وتفكيك مجتمعاتها، مما يطيل أمد الصراعات ويخدم مصالح ضيقة لا علاقة لها بمفهوم الأمن العربي أو الشراكة الإقليمية.

في السياسة والقانون، الأفعال تُقاس بما تتركه من آثار على الأرض، وعندما تكون النتائج دماء وخرابًا وانقسامًا، تسقط جميع ذرائع “حسن النية” و”تعقيد المشهد” تلقائيًا.

في اليمن، أصبح الوضع واضحًا، حيث يتم إضعاف الدولة الشرعية عمداً، ويتم بناء قوى موازية، مما يؤدي إلى صراع داخل صراع، وهذا يضر بوحدة الدولة العربية وسيادتها، وهو فعل يمكن اعتباره إضرارًا متعمدًا بأمن الدولة.

أما في السودان، فقد تجاوز التدخل الخارجي حدود سوء التقدير، ليصبح له دور فعلي في إطالة أمد الحرب من خلال المال والسلاح، فتحولت الأزمة من نزاع سياسي إلى كارثة إنسانية، والسؤال هنا هو: من موّل، ومن سلّح، ومن كانت مصلحته قائمة في استمرار القتال؟ وفي ليبيا والصومال، نجد نفس النمط؛ أي مشروع وطني مستقل يُربك، وأي محاولة لبناء مؤسسات دولة تُحاصر، وكأن الاستقرار العربي خطر يجب احتواؤه

الأمر يزداد سوءًا عندما يتحول بعض المسؤولين العرب من الدفاع عن قضايا أمتهم إلى تبني السرديات التي استخدمها خصومهم، وهذا الخطاب لا يكسب احترام الآخرين بل يمنحهم مبررات إضافية للتمييز، ويجعل العربي شاهد اتهام ضد نفسه، مما يؤثر على المسلمين في أوروبا.

في هذا السياق، تبرز المملكة العربية السعودية كنموذج للدولة التي تدرك معنى المسؤولية التاريخية، فهي تعاملت مع اليمن كقضية أمن قومي، وسعت للحفاظ على وحدة البلد، كما دفعت نحو الحلول السياسية في السودان وفتحت مسارات للتهدئة بدلاً من الاستثمار في الاقتتال، وهي تحافظ على معادلة تقوم على أولوية الدولة الوطنية واحترام السيادة.

أما ما يُسمى حياداً من بعض الدول العربية، فهو ليس حيادًا بل امتناع انتقائي يؤدي لخدمة المعتدي وخذلان الضحية، فالحياد في مواجهة تفكيك الدول وإشعال الحروب ليس موقفًا أخلاقيًا، بل هو مشاركة سلبية في النتائج، ومن يملك القدرة على التأثير ثم يختار الصمت لا يقف خارج الحدث بل في صف مآلاته.

التغاضي عن العبث تحت ذريعة “حسن الظن” لم يعد خيارًا سياسيًا، بل هو ترف أخلاقي في ظل جراح عربية تنزف، ومسارات أثبتت الوقائع أنها لا تتجه نحو تكامل أو شراكة مسؤولة، بل نحو تفتيت منهجي وإضعاف مقصود.

لذا، تفرض المسؤولية التاريخية الانتقال من “سياسة الاحتواء” إلى “سياسة الحزم”، من خلال مراجعة شاملة لكافة ملفات العلاقات مع الدول التي تضر بالمصالح العربية، دون مواربة أو مجاملات.

لقد انتهى زمن الإدارة بمنطق “الاستمرار الآلي” للعلاقات، فالعلاقات التي تؤدي إلى خذلان لا يمكن التعامل معها كأعطال عابرة، بل يجب إخضاعها لتقويم جذري يحدد بوضوح ما يجب تصحيحه وما يجب تجميده أو إعادة النظر فيه بالكامل، فالدولة لا تُدار بالعواطف بل بالقرارات الصائبة.

الضبط الحقيقي للعلاقات لا يقوم على الشعارات، بل على الالتزام الصريح بوقف أي سلوك يضر بالمصالح العربية أو يهدد استقرار الدول، ومن يريد أن يكون شريكًا للرياض فعليه احترام سيادتها ومنهجها القائم على الاستقرار.

أما من اختار أن يكون أداة لمشاريع لا ترى في الجغرافيا العربية سوى ساحات اختبار، فعليه أن يتحمل تبعات عزلة، فالمسؤولية لا تسقط بالتقادم، والحياد الكاذب لا يعفي من الحساب.

ما يحدث ليس مجرد مادة للنقاش، بل هو سجل أفعال متراكمة، والتاريخ لا يحاكم الخطابات بل الوقائع، ومن أسهم في الدماء والخراب سيتحمل كلفة ذلك سياسيًا ومعنويًا، فالمسؤولية لا تسقط بالتقادم والدول تُقاس في لحظات الشدة.