شهدت دبي قمة المليار متابع 2026، والتي كانت الأكبر من نوعها، وجمعت مجموعة من أبرز صناع المحتوى ورواد الأعمال الرقميين وممثلي المنصات العالمية. هذا العام، كان التركيز بشكل كبير على قضايا الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا، وهو ما أصبح محوراً رئيسياً في النقاشات والمداخلات، مما يدل على تحول واضح في صناعة المحتوى والأدوات التي ستشكل مستقبل التأثير.

منذ البداية، اتضح أن التكنولوجيا لم تعد مجرد أداة إضافية، بل أصبحت الأساس الذي يقوم عليه المحتوى. من آليات الإنتاج إلى نماذج الأعمال الجديدة، كان هذا التوجه واضحاً في الجلسات الرسمية وورش العمل والحوارات الجانبية، وحتى في الجوائز المرتبطة بالحدث.

الذكاء الاصطناعي… شريك وليس بديلاً

تصدرت جلسة “مستقبل صناعة المحتوى في عصر الذكاء الاصطناعي” النقاشات في اليوم الأول، حيث تطرق خبراء وصناع محتوى من مختلف أنحاء العالم إلى كيفية دمج الذكاء الاصطناعي في العمل الإبداعي. رغم اختلاف الآراء حول دور الذكاء الاصطناعي، إلا أن الجميع اتفق على أنه لن يحل محل الإنسان، بل سيكون شريكاً يعزز من قدراته.

تم التأكيد على أن الأدوات الذكية يمكن أن تحسن تجربة الإنتاج، وترفع جودة الفيديو، وتساعد في تحليل تفضيلات الجمهور بشكل أدق، لكن العامل البشري يبقى محور العملية كونه المصدر الأساسي للإبداع والفهم الثقافي.

المتحدثون أشاروا إلى أن المنافسة المستقبلية لن تكون بين البشر والآلات، بل بين المحتوى المدعوم بالذكاء الاصطناعي والمحتوى التقليدي، مما يجعل الذكاء الاصطناعي معياراً جديداً للاحترافية.

المؤثرون الافتراضيون… جمهور يتفاعل مع شخصيات غير حقيقية

من الجلسات التي أثارت الكثير من النقاشات، كانت تلك التي جمعت صانعة المحتوى المصرية فرح الكردي مع الشخصية الافتراضية Lil Miquela. الجلسة تناولت ظاهرة المؤثرين الذين يتم إنشاؤهم بواسطة الذكاء الاصطناعي، والذين أصبحوا يشكلون فئة متزايدة من “المشاهير الافتراضيين”.

التفاعل مع هذه الشخصيات الافتراضية يطرح تساؤلات حول مستقبل العلاقة بين الجمهور وصناع المحتوى، مثل مدى تقبل الجمهور لمؤثر غير موجود في الواقع، وما إذا كانت العلامات التجارية ستفضل التعامل مع نموذج افتراضي خالٍ من الأخطاء.

التحليل الذي خرجت به النقاشات كان أن المؤثر الافتراضي لن يلغي المؤثر الحقيقي، بل سيأخذ مساحة موازية، تُستخدم فيها الشخصيات الرقمية كأدوات تسويقية آمنة.

جائزة “الفيلم المولَّد بالذكاء الاصطناعي”… مليون دولار لابتكار جديد

من أبرز ما تم الإعلان عنه في القمة كانت جائزة الفيلم المولَّد بالذكاء الاصطناعي، التي أُطلقت بالشراكة مع منصة Google Gemini، والتي تقدم مليون دولار للفائز بالمركز الأول. الجائزة جذبت أكثر من 30 ألف مشارك من 116 دولة، وقدم المشاركون 3500 فيلم قصير تم إنتاجه بالكامل باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي.

من بين هذا العدد الهائل، تم اختيار خمسة أفلام فقط للعرض في القمة، ليتم إعلان الفائز في اليوم الثاني. هذه الجائزة تعتبر نقطة تحول في تاريخ الإعلام البصري، حيث تقدم الذكاء الاصطناعي كأداة قادرة على صناعة فيلم كامل، من كتابة النص إلى الإخراج.

من الذكاء الاصطناعي المُوَلِّد إلى الذكاء الاصطناعي الوكيلي (Agentic AI)

من المفاجآت التي شهدتها القمة كانت عودة شركة Halo AI للإعلان عن نسخة محسّنة من منصتها، والتي لا تهدف فقط إلى توليد محتوى، بل لتقديم ذكاء اصطناعي وكيلي يمكنه إدارة المهام اليومية لصناع المحتوى.

هذا الاتجاه المعروف باسم Agentic AI يمثل المرحلة المقبلة من تطور الذكاء الاصطناعي، حيث تتحول النماذج من “أدوات” إلى “وكلاء” قادرين على اتخاذ قرارات ضمن حدود يحددها المستخدم، مما سيغير طريقة إدارة المحتوى والعمليات التسويقية في المستقبل.

التقاطع بين الذكاء الاصطناعي والبلوكتشين والاقتصاد الرقمي

تناولت جلسات أخرى العلاقة بين التقنيات الناشئة مثل العملات الرقمية والبلوكتشين وأدوات الذكاء الاصطناعي. الخبراء أوضحوا كيف يمكن لهذه التقنيات أن تفتح نماذج إيرادات جديدة لصناع المحتوى، مثل بيع أصول رقمية NFT، وبناء منصات تحقق توزيعاً عادلاً للإيرادات باستخدام شبكات بلوكتشين.

هذا التوجه يعكس نضجاً متزايداً في صناعة المحتوى، حيث يبدأ الإبداع بالتحول إلى أصول اقتصادية ملموسة.

مرحلة جديدة… وواقع جديد لصناعة التأثير

قمة المليار متابع 2026 كانت أكثر من مجرد حدث يستعرض الاتجاهات الحديثة، بل كانت إعلاناً عن بداية مرحلة جديدة في عالم صناعة المحتوى، حيث يصبح الذكاء الاصطناعي جزءاً لا يتجزأ من هوية المؤثر وأدواته.

برز خلال القمة التأكيد على أن دمج أدوات الذكاء الاصطناعي في العمل الإبداعي بات عاملاً مؤثراً في قدرة صناع المحتوى على مواكبة التغيرات المقبلة، وطرحت النقاشات أن الإلمام بهذه التقنيات سيكون عنصراً أساسياً في المنافسة مستقبلاً. مع إطلاق جوائز أفلام الذكاء الاصطناعي، وصعود المؤثرين الافتراضيين، وظهور الذكاء الاصطناعي الوكيلي، تبدو دبي مجدداً في موقع الريادة لتحديد شكل مستقبل الاقتصاد الإبداعي العالمي.