ليس خافيًا أن هناك مشروعًا خطرًا يسعى إلى تقسيم العالم العربي تحت مسمى “الشرق الأوسط الجديد”، وقد بدأت ملامحه تظهر منذ أحداث ما يُعرف زورًا بـ “ثورات الربيع العربي”. هذا الأمر يجعل العرب أمام تحديات حقيقية تتعلق بمصيرهم المشترك، خاصةً مع تصاعد دعوات الانفصال التي تستقوي بالكيان الإسرائيلي، كما يحدث مع بعض دروز سوريا. كان المتابع للمشهد العربي يعتقد أن هذه الدعوات مجرد تحركات طائفية عفوية تستغل الوضع السوري أو الانقسام في ليبيا أو الفوضى في السودان، لكن هذا الاعتقاد يبدو ساذجًا في عالم السياسة.

فكما كان هناك “محور المقاومة” الذي دعم المشروع الإيراني في المنطقة عبر استغلال القضية الفلسطينية، هناك أيضًا “محور الانفصال” الذي بدأ يظهر بشكل واضح لخدمة المصالح الصهيونية. هذا المحور يسعى للسيطرة على الممرات المائية في البحر الأحمر وبحر العرب، وقد تجلى ذلك في الأحداث الأخيرة في جنوب اليمن، حيث قامت قوات المجلس الانتقالي بالانقلاب على الشرعية اليمنية والسيطرة على محافظتي حضرموت والمهرة. المملكة العربية السعودية، بحكمتها وصلابتها، تمكنت من وأد هذا المشروع قبل أن يتكامل، الذي كان مرتبطًا بإعلان استقلال “صوماليالاند” واعتراف إسرائيل بها.

“صوماليالاند” هو جزء من شمال الصومال، وقد احتلته المملكة المتحدة في عام 1884 واستقل في عام 1960. بعد استقلال الشمال والجنوب، اتحد الإقليمان ليشكلوا الجمهورية الصومالية، لكن الأوضاع السياسية تدهورت بعد ذلك. في عام 1991، اندلعت حرب أهلية أدت إلى انهيار الحكومة، واستغلت الحركة الوطنية في الشمال هذه الفوضى وأعلنت استقلالها، لكنها لم تنجح في الحصول على الاعتراف الدولي.

وبالحديث عن إسرائيل، يعتقد البعض أن اعترافها بـ “أرض الصومال” جاء بشكل مفاجئ، لكن في الحقيقة، كانت إسرائيل من أوائل الدول التي هنأت بهذا الاستقلال في عام 1960، مما يدل على وجود خطط استراتيجية طويلة الأمد للسيطرة على القرن الإفريقي. اتصالات فعلية تمت بين الجانبين في عام 1995، لكن التقارب الفعلي حدث في عام 2024، ليتم الاعتراف الإسرائيلي بـ “أرض الصومال” في نهاية عام 2025.

إذا نظرنا إلى الأحداث المتسارعة والمواقف السياسية والدعوات للانفصال، سنجد أن هناك ترابطًا واضحًا بين ما يجري في جنوب اليمن وأرض الصومال، وهو ما يبرز محور الانفصال الذي يسعى للسيطرة على باب المندب. الرد السعودي كان سريعًا وحاسمًا، لأن القضية لم تعد مجرد تقسيم، بل تهديد للأمن الوطني للمملكة وللأمن القومي لجمهورية مصر العربية، وهما من أهم الدول العربية في الوقت الراهن.

يقول أبو الطيب المتنبي:
وجاهل مدّه في جهله ضحكي
حتى أتته يدٌ فراسة وفمُ
إذا رأيت نيوب الليث بارزةً
فلا تظنن أن الليث يبتسمُ