في عام 2026، والذي أطلق عليه صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان “عام الأسرة”، تظهر أسئلة مهمة من جديد، ليست مجرد شعارات بل مسؤوليات مجتمعية مستمرة. الأسرة اليوم ليست مجرد مكان للرعاية، بل هي الأساس لمواجهة عالم يتسارع فيه التطور التكنولوجي، حيث تتعدد مصادر التأثير على عقول الأبناء بشكل قد يفوق قدرتنا على المتابعة.
كنا نسمع في طفولتنا عبارات مثل: “من زرع حصد” و”من سار على الدرب وصل”، كنا نحفظها ونرددها، لكننا لم نفهمها بعمق في ذلك الوقت، كانت تبدو لنا حكمًا جميلة أكثر من كونها قوانين حياة. الآن، ومع نضوجنا، أصبحنا نفهم معانيها الحقيقية من خلال تجاربنا، لأن الحياة لا تجامل أحدًا، بل تعكس نتائج أفعالنا، كل ما نزرعه يعود إلينا، حتى لو كان بعد حين أو بشكل مختلف
عندما زرعنا الالتزام، حصدنا الثقة، وعندما زرعنا الاحترام، وجدنا الاحترام يعود لنا أضعافًا، لكن عندما تساهلنا في مسؤولياتنا، كانت النتائج أثقل مما توقعنا. هذا القانون لم يتغير، لكن الزمن الذي يعيش فيه شباب اليوم مختلف تمامًا.
جيل اليوم لم تعد مصادر معرفته محصورة في الأسرة أو المدرسة، فالتكنولوجيا أصبحت بيئة متكاملة تشارك في تشكيل وعيهم. العالم مفتوح أمامهم، والمعلومات تصل إليهم بسرعة تفوق أحيانًا قدرتهم على التفكير أو التمحيص. في هذا السياق، ظهرت أدوات الذكاء الاصطناعي مثل ChatGPT، التي أصبحت جزءًا من حياتهم اليومية، يسألونها ويتحدثون معها في كل وقت. وهذا يطرح سؤالًا أكبر: ماذا يتعلم أبناؤنا من هذه الأدوات، وهل لدينا القدرة على توجيههم بشكل صحيح؟
جيلنا لم يعرف هذه العلاقة الرقمية، كنا نتعلم من أخطائنا ونجتهد للوصول إلى أهدافنا، بينما اليوم كل شيء متاح بسهولة، وهذا قد يؤخر إدراكهم لنتائج أفعالهم. المشكلة ليست في الذكاء الاصطناعي بحد ذاته، فهو أداة محايدة، لكن إذا زرعنا فيه وعيًا، سنحصل على معرفة غنية، أما إذا زرعنا اعتمادًا أعمى، فسيفقدون القدرة على التفكير وتحمل المسؤولية.
في الإمارات، لدينا خصوصية ثقافية وإنسانية قائمة على الأسرة والقيم والدين. هذه المنظومة لا تتشكل من خلال المنع، بل من خلال الحضور الفعلي للأب والأم، وتقديم القدوة. عندما يضعف هذا الحضور، يبدأ الأبناء في البحث عن بدائل، قد تكون ثقافات جديدة أو أدوات ذكية، لكنها لا تعطيهم معنى ولا تبني وعيًا مستدامًا.
هنا يتعرض مبدأ “من زرع حصد” للخطر، حيث يصبح النجاح بلا جهد، والمعرفة بلا التزام، والدين مجرد خيار. ما يُزرع اليوم في عقول الشباب سيظهر في قراراتهم وعلاقاتهم في المستقبل. “عام الأسرة” يأتي كتذكير بأن البيت هو الأرض الأولى للزرع، وأن دور الأسرة يتجاوز الحماية إلى تعليم كيفية استخدام هذه الأدوات، وتوجيه الأبناء بأن الذكاء الاصطناعي وسيلة قوية، لكنه لا يغني عن العقل والقيم والدين.
أقول لكل أب وأم: شباب اليوم يحتاجون إلى فهم عميق لما يعيشونه، ويجب أن ندرك أن العالم تغير، لكن القوانين الكبرى للحياة لا تزال كما هي، وما نزرعه اليوم في أخلاقهم ووعيهم هو ما سيحصدونه غدًا، مهما تسارع الزمن. في زمن الذكاء الاصطناعي، ليس المهم ما تقدمه هذه الأدوات، بل ماذا نزرع من خلالها في عقول أبنائنا وبناتنا، لأن ما يُزرع اليوم سيكون حصادهم في المستقبل، لمستقبل أسرنا ومجتمعنا كله

