في قلب المدن الكبيرة، كانت البنوك تُعتبر مراكز أمان للمبالغ النقدية، وقبل أن تظهر الصرافات الآلية والخدمات الرقمية، ظهرت فكرة الخزائن الليلية كحل مبتكر لحفظ الأموال بعد انتهاء ساعات العمل، وكان هذا الحل مفيدًا للتجار والأفراد الذين يحتاجون لضمان أمان أموالهم حتى صباح اليوم التالي.
بدأت فكرة الخزائن الليلية في أوروبا وأمريكا في أواخر القرن التاسع عشر، حيث واجهت البنوك تحديًا في كيفية تمكين العملاء من إيداع أموالهم بعد إغلاق البنك، وكانت الخزائن عبارة عن صناديق حديدية أو فولاذية مثبتة عند مدخل البنك، يضع فيها العملاء أموالهم وشيكاتهم لتتم معالجة الإيداعات في صباح اليوم التالي.
وصلت هذه الفكرة إلى مصر مع بداية ظهور البنوك الحديثة بين عامي 1900 و1920، وكان بنك مصر من أول البنوك التي اعتمدت هذه الخدمة، تلاه البنك الأهلي المصري وبعض البنوك الأجنبية مثل Credit Lyonnais وBarclays، وكانت الخزائن في مصر عبارة عن صناديق حديدية كبيرة تُفتح فقط من قبل موظفي البنك في اليوم التالي لضمان سلامة الأموال.
لم تكن الخدمة متاحة للجميع، بل كانت موجهة للفئات التي تتعامل بمبالغ كبيرة، مثل التجار وأصحاب الشركات الصغيرة والمتوسطة الذين كانوا بحاجة لإيداع مبالغ نقدية كبيرة بعد انتهاء عملهم، وكذلك المؤسسات الكبرى مثل المصانع وشركات الاستيراد والتصدير، إضافة إلى الأفراد الميسورين الذين كانوا يمتلكون مبالغ كبيرة ويرغبون في حفظها بأمان، مما جعل هذه الخدمة تعكس الطبقات الاجتماعية العليا والوسطى.
حتى السينما لم تغفل عن هذه الظاهرة، ففي فيلم «سلامة في خير» الذي صدر عام 1937، لعب نجيب الريحاني دور سلامة الذي يحاول إيداع أمواله في البنك لكنه يواجه مشكلة إغلاق البنك بعد الدوام، وتظهر أحداث الفيلم أهمية الخزائن الليلية كحل أمني للإيداع بعد ساعات العمل، كما توثق جزءًا من الحياة الاجتماعية والاقتصادية في مصر في تلك الفترة.
مع مرور الوقت، ومع تطور التكنولوجيا المصرفية، بدأت فكرة الإيداع تتغير، حيث ظهرت الصرافات الآلية التي مكنت العملاء من إيداع النقود والشيكات على مدار 24 ساعة، ثم جاءت الخدمات الرقمية مثل التحويل البنكي عبر الإنترنت والتطبيقات المصرفية، مما قلل الحاجة لاستخدام صناديق الإيداع اليدوية، بينما تقدم معظم البنوك الآن خزائن حديثة لتخزين المجوهرات والمستندات الثمينة، لكنها لم تعد وسيلة لإيداع النقود اليومية بعد انتهاء ساعات العمل.
ومع هذه التطورات، كانت الخزائن الليلية أكثر من مجرد صناديق حديدية، بل كانت رمزًا للأمان المالي والابتكار المصرفي في مصر، خدمت فئات محددة وكانت جزءًا من الحياة اليومية للتجار والميسورين قبل أن تختفي تدريجيًا مع ظهور الخدمات البنكية الحديثة، كما أنها تركت بصمة في الثقافة والفن، لتظل ذكرى حية لكيفية تعامل المصريين مع المال والأمان في الماضي.

