عنب بلدي – أمير حقوق.
على مر السنين، كانت المسلسلات التاريخية السورية جزءًا مهمًا من الدراما العربية، ولعبت دورًا كبيرًا في تعزيز مكانتها كدراما جدية تتعامل مع التاريخ بشكل فني ومعرفي في نفس الوقت. هذه الأعمال لم تقتصر فقط على سرد الأحداث التاريخية، بل قدمت قصصًا حية تربط بين السياسة والفكر والمجتمع، حيث تداخلت فيها التحولات الكبرى مع تفاصيل حياة الأفراد.
من بين الأعمال البارزة، نجد “الزير سالم”، “صلاح الدين الأيوبي”، “ربيع قرطبة”، “صقر قريش”، و”ملوك الطوائف”، التي لم تكتفِ بإعادة سرد الأحداث، بل قدمت أيضًا رؤى درامية عميقة حول التاريخ العربي والإسلامي، مع التركيز على صراعات القيم والسؤال حول الحكم والانقسام والنهضة.
توثيق التاريخ الإنساني
أسهمت هذه المسلسلات في تشكيل صورة الدراما السورية كدراما ثقافية تلامس إنسانية المشاهد العربي، مما جعلها تحظى بشعبية واحترام كبيرين. استطاعت الدراما السورية توثيق مراحل مهمة من التاريخ، بدءًا من ما قبل الإسلام، مرورًا بالعصرين الأموي والعباسي، وصولًا إلى العصور اللاحقة كالمماليك والدولة الزنكية، بالإضافة إلى تناولها التاريخ السوري الحديث والقضية الفلسطينية، كما أشار المخرج زين طيار.
أضاف طيار أن هذه الأعمال عالجت التاريخ بحذر، متجنبة المواضيع الخلافية التي قد تثير الفتن، وهذا ساهم في الحفاظ على السلم المجتمعي رغم وجود بعض التحفظات على الرقابة. ومع مرور الوقت، أصبحت الأعمال التاريخية مرجعًا ثقافيًا للمشاهد العربي، الذي بات يعتمد عليها في فهم الأحداث والشخصيات التاريخية.
ركيزة لعدم وجود مختصين
الكاتب والناقد الفني أحمد السح ذكر أن الرواية التاريخية كانت الأساس لأي نوع فني، خصوصًا في ظل غياب مادة درامية وكتّاب مختصين في الكتابة الدرامية، مما جعل كل التجارب الفنية تلجأ إلى التاريخ لتقديمه بشكل بصري. وذكر أنه خلال تلك الفترة، ظهرت أعمال بالأبيض والأسود، مثل “انتقام الزباء” عام 1974، وأخرى ملونة مثل “الذئاب” عام 1989، حيث كانت تُصور داخل استوديوهات بتكاليف محدودة.
ثم جاء مسلسل “العبابيد” عام 1997، والذي فتح المجال للاستثمار في الدراما التاريخية، ليكون مسلسل “الزير سالم” عام 2000 علامة فارقة في هذا المجال.
هيمنة الإنتاج القائم على “الترند”
مع مرور الوقت، بدأت ملامح تراجع المسلسلات التاريخية السورية، حيث أصبحت هذه الأعمال نادرة ومتقطعة، مما أثر على صورة الدراما السورية التي كانت غنية بالعمق الثقافي. المخرج زين طيار أرجع هذا التراجع إلى هيمنة الإنتاج التجاري القائم على “الترند”، مما أدى إلى تراجع القيم الفنية والتركيز على النجومية بدلاً من مضمون العمل.
كما أن بعض الإنتاجات القصيرة على المنصات الرقمية قدمت صورة سلبية عن المجتمع السوري، مبرزة الجوانب الأخلاقية السلبية. ارتفاع أجور النجوم والفقر الإنتاجي ساهم في الابتعاد عن الأعمال التاريخية التي تتطلب تكاليف عالية، في ظل غياب الكتاب والمخرجين المتخصصين، ما أثر سلبًا على جودة الدراما التاريخية.
أما أحمد السح فقد اعتبر أن التراجع في إنتاج الأعمال التاريخية يعود لأسباب مالية، حيث لا يرغب رأس المال الخارجي في الاستثمار في هذا النوع من الدراما المكلفة.
تقديم التاريخ بأساليب عصرية
نقاد الفن يرون أن العودة إلى المسلسلات التاريخية برؤية معاصرة ضرورة لإعادة بناء صورة الدراما السورية واستعادة مكانتها في العالم العربي. المخرج زين طيار أكد على أهمية وجود وعي ثقافي وفني لدى المنتجين، ودعا لدعم الأعمال التاريخية وتحفيز الكتاب على البحث الجاد.
أما أحمد السح فقد أشار إلى أهمية استخدام العقل في التعامل مع التاريخ، وعدم الاعتماد على النقل من كتب قديمة، حيث لدينا اليوم قدرات فكرية متقدمة تساعدنا في تحليل ما كتب في الماضي.
واستشهد بمسلسل “ثلاثية الأندلس” الذي يحظى بشعبية كبيرة بين جمهور لم يقرأ تاريخ الأندلس، مما يعكس الوضع الحالي للدراما التاريخية السورية التي لا تشكل سوى نسبة ضئيلة من الإنتاج الدرامي الكلي.

