بعد سنوات من وجوده في خلفية حياتنا الرقمية، أصبح الذكاء الاصطناعي اليوم في مرحلة جديدة مع ظهور ما يُعرف بـ “الذكاء الاصطناعي التوليدي”، الذي يعد بإحداث تغيير كبير في كيفية استخدام الأفراد والشركات للتكنولوجيا، حيث انتقل من مجرد تقديم توصيات بسيطة إلى إمكانية إنشاء محتوى معقد. هذا التحول يأتي في وقت أصبحت فيه خوارزميات التعلم الآلي جزءًا لا يتجزأ من منصات البث والتجارة الإلكترونية والإعلانات الرقمية حول العالم.
رغم أن الكثيرين يربطون مصطلح الذكاء الاصطناعي بأفلام الخيال العلمي مثل “المدمر” و”ماتريكس”، إلا أن هذه التقنية تعمل بصمت منذ سنوات في التطبيقات والخدمات اليومية. على سبيل المثال، عندما تنتهي من مشاهدة فيلم على منصة بث وتظهر لك قائمة مقترحات لأعمال مشابهة، فإن خوارزميات الذكاء الاصطناعي هي التي تحلل سلوك المشاهدة لتقديم توصيات مخصصة.
وينطبق ذلك أيضًا على مواقع التجارة الإلكترونية؛ فعندما تفتح صفحة منتج وتجد قسمًا بعنوان “قد يعجبك أيضًا” أو “منتجات مشابهة”، فهذه الترشيحات لا تظهر عشوائيًا، بل تعتمد على تحليل بيانات وسلوك شراء الملايين من المستخدمين لإبراز المنتجات الأكثر جذبًا لك.
الإعلانات التي تظهر للمستخدمين على المواقع والتطبيقات لا تُختار يدويًا في أغلب الأحيان، بل تُدار بواسطة منصات إعلانية تستخدم خوارزميات تعلم آلي متقدمة، وهذه الخوارزميات تحلل بيانات الاستخدام في الوقت الفعلي، بدءًا من نوع الجهاز والموقع الجغرافي، وصولًا إلى الاهتمامات وأنماط التصفح، مما يساعد على تحسين معدلات التفاعل والنقر والتحويل إلى عمليات شراء أو تسجيل.
تستفيد الشركات من هذا النمط من الذكاء الاصطناعي لتحسين كفاءة إنفاقها الإعلاني، حيث تُضبط الحملات تلقائيًا وفقًا للأداء، فتزداد ميزانية الإعلانات الناجحة بينما تتراجع الإعلانات غير الفعالة، مما يجعل الذكاء الاصطناعي عنصرًا محوريًا في منظومة الإعلان الرقمي العالمية.
على مستوى الأعمال، تعتمد المؤسسات منذ سنوات على مزيج من الأتمتة القائمة على القواعد وروتينات البرمجة التقليدية وخوارزميات التعلم الآلي لتشغيل أنظمتها وزيادة كفاءتها، وتشمل هذه التطبيقات أنظمة إدارة المخزون، وكشف الاحتيال في المعاملات المالية، وتحليل بيانات العملاء، ودعم مراكز الاتصال عبر الدردشة الآلية.
هذه الأنظمة لا “تفكر” كما يُصور في الخيال العلمي، لكنها قادرة على معالجة كميات كبيرة من البيانات وتنفيذ مهام متكررة بسرعة ودقة، مما يوفر الوقت والتكاليف على الشركات، ويمهد الطريق لمرحلة أكثر تقدمًا من الذكاء الاصطناعي.
في حين أن أجيال الذكاء الاصطناعي السابقة كانت تعتمد على تحليل البيانات واتخاذ قرارات أو تقديم توصيات بناءً على أنماط سابقة، يركز “الذكاء الاصطناعي التوليدي” على إنشاء محتوى جديد بالكامل، سواء كان نصوصًا أو صورًا أو صوتًا أو حتى شيفرة برمجية، هذا التحول ينقل التقنية من مرحلة “المساعدة في الاختيار” إلى “المشاركة في الإبداع والإنتاج”.
تستخدم هذه النماذج التوليدية شبكات عصبية عميقة تم تدريبها على كميات كبيرة من البيانات، مما يسمح لها بتوليد مخرجات تبدو أكثر قربًا لما ينتجه البشر، وتستثمر الشركات العالمية في هذه التقنيات لتطوير أدوات كتابة آلية، ومساعدين أذكياء، ومنصات تصميم مدعومة بالذكاء الاصطناعي، وحلول برمجة أسرع وأكثر مرونة.
يُنظر إلى الذكاء الاصطناعي التوليدي باعتباره مرحلة مفصلية لأنه يوسع دور الذكاء الاصطناعي من تحسين العمليات الحالية إلى ابتكار طرق جديدة للعمل والإنتاج، في قطاع الإعلام يمكن للأدوات التوليدية المساعدة في إعداد مسودات أولية للمحتوى أو اقتراح عناوين وصور، وفي قطاع البرمجة يمكنها تسريع كتابة الشيفرة واكتشاف الأخطاء.
هذا التطور يفتح المجال أمام نماذج أعمال جديدة ويثير نقاشًا واسعًا حول مستقبل الوظائف وحدود استخدام المحتوى المولد آليًا، بالإضافة إلى ضرورة وجود أطر حوكمة ترافق انتشار هذه التقنيات، خاصة في ظل سباق عالمي متسارع للاستفادة من قدراتها.

