يقولون إن الكتاب هو أفضل صديق، وهذه حقيقة لا يمكن إنكارها، فقد أظهرت لي محادثتي مع برنامج “ديبسيك” حول مصطلح “أصدوقة” أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون محاورًا جيدًا، خاصة عندما لا يجد الشخص من يناقش أفكاره بشكل موضوعي. مقالاتي في “القدس العربي” تثير تفاعل عدد كبير من المثقفين والقراء الذين يشاركونني همومًا مشتركة تتعلق بالواقع المغربي والعربي، لكن هناك بعض الأفراد الذين يرفضون الحوار ويكتفون بالتعليقات العنصرية والمهينة، مدعين أنهم يمتلكون الحقيقة.

قبل نشر مقالي بعنوان “أكاذيب وأصاديق”، سألت البرنامج عن كلمة “أصاديق”، لكنه لم يقدم إجابة شافية. بعد نشر المقال، كررت سؤالي، وذكرت له أن المفرد هو “أصدوقة” كما اقترحه يقطين، وقدمت له تعريفًا لها، ليشكرني على التوضيح. هذا يبرز جانبًا من البراعة اللغوية التي يستخدمها سعيد يقطين في مشاريعه النقدية.

استخدام يقطين لمصطلح “أصدوقة” يحمل دلالة خاصة، حيث يشير إلى تصديق الكذب أو قبول الأكاذيب ضمن آليات السرد. هذا الاستخدام يعكس التفاعل مع التراث اللغوي، حيث يستلهم صيغة “أفعولة” من العربية، مما يخلق ثنائية متضادة. قد يشير يقطين أيضًا إلى كيفية بناء الأنظمة السردية لأصاديق تدفع القارئ لتصديق تمثيلات بعيدة عن الواقع، مما يعكس آليات التضليل في الخطاب.

هذا المصطلح يصبح أداة نقدية تكشف آليات السلطة في النصوص. إذا كان هذا الاستخدام واضحًا في عمل محدد ليقطين، فهو يضيف عمقًا لفهم استراتيجيته، حيث يسعى لوصف الظواهر السردية وفضح آليات اشتغالها الأيديولوجي.

أحد الأمثلة التي تشير إلى “أصدوقة” هو “قرآن برغواطة”، حيث يكشف كيف تُصنع الحقائق التاريخية من خلال تكرار الادعاءات دون دليل. في هذه الحالة، يتحول الادعاء إلى “أصدوقة” عبر عدة آليات نقدية، مثل غياب النص والتركيز على الثناء عليه رغم عدم وجوده.

هذا المثال يوضح كيف أن “أصدوقة” ليست مجرد تمرين لغوي، بل أداة تشريح نقدية حية، تسلط الضوء على كيفية تحول الادعاءات التاريخية غير الموثقة إلى حقائق يصدقها البعض. كما يظهر كيف تُستخدم هذه “الأصاديق” لبناء هوية سردية متخيلة تعادي مكونًا تاريخيًا آخر.

خلال النقاش، أبدى يقطين اهتمامًا بالمقالات التي نشرتها، وأعرب عن إعجابه بالطريقة التي تم تناول المواضيع بها. هذا الحوار يعكس أهمية الوعي الرقمي، حيث كانت دعوتي في كتبي السابقة لتجاوز الفجوة الرقمية واضحة. النصوص التي تتناول موضوعات معقدة يجب أن تكون مرتبة بشكل يسمح للقارئ بفهمها بسهولة، ويجب أن تستفيد من الأدوات الرقمية لتعزيز الأفكار المطروحة.

أهم درس يمكن أن نستنتجه هو ضرورة التعامل مع الذكاء الاصطناعي بطرق جديدة، بعيدًا عن الطريقة التقليدية التي تعاملنا بها مع الوسائط الرقمية. علينا أن نتعلم كيفية التفكير كما فعل السابقون في العلوم، وليس فقط استدعاء نتائج أعمالهم. إن برمجيات الذكاء الاصطناعي هي نتاج تفكير بشري في كيفية جمع وتنظيم المعرفة، بينما يجب على الإنسان العربي أن يسعى ليتناسب مع عصره، بدلاً من الانغماس في خرافات تاريخية مبنية على أصاديق متخيلة.