ما الذي يجري في اليمن؟ هذا السؤال يتكرر كثيرًا، وليس فقط لأن الإجابة غير واضحة، بل لأن الوضع في اليمن أصبح يعكس تعقيدات المنطقة بشكل كبير، وأصبح اختبارًا حقيقيًا لقوة الدول وصبرها وأخلاقيات السياسة في زمن الفوضى.

اليمن ليس مجرد ساحة حرب داخلية، بل هو مكان تُصفّى فيه حسابات إقليمية، حيث تُستخدم الصراعات كوسيلة لتحقيق أهداف تتجاوز مصالح اليمنيين أنفسهم، على مدى السنوات الماضية، تم دفع اليمن ليكون نقطة ضعف، وليس بسبب ضعف أهله، بل بسبب تآمر الكثيرين عليه، سواء من الداخل أو الخارج، وعندما تضعف الدولة، تتكاثر الأيدي التي تعبث بها.

في وسط هذا المشهد، وقفت السعودية موقف الدولة الواعية، التي تعرف مكانتها وتفهم السياق السياسي، حيث دخلت اليمن ليس بدافع من رغبة في الحرب، بل لحماية أمنها القومي ومنع تحويل اليمن إلى منصة تهديد دائم، هذا التوجه كان واضحًا منذ بداية الأزمة، حيث كانت أهداف السعودية تتمثل في تحقيق يمن آمن، دولة بلا ميليشيات، وسيادة بلا وصاية، ومع ذلك، كانت السعودية أيضًا أكثر الأطراف صبرًا، تدرك أن السياسة ليست ردود أفعال فورية، وأن ترك الخصم يكشف أوراقه أحيانًا يكون أفضل من المواجهة في وقت غير مناسب، لذلك لم تكن السعودية في عجلة من أمرها، ولم تغلق باب الحلول السياسية.

على الجانب الآخر، ظهرت جماعة الحوثيين كمشروع مسلح لا يراعي فكرة الوطن، بل ينظر إليه كغنيمة، خطابهم لا يتسع للدولة، وسلاحهم لا يعترف بالمواطنة، وتحالفاتهم الخارجية تكشف الكثير عن نواياهم، لم يكن سلوكهم سلوك شريك في الوطن، بل كان سلوك أداة تُدار من الخارج وتُغذّى بأوهام الانتصار حتى لو دُمّر البلد بأسره.

كان الرهان لدى الكثيرين أن السعودية ستُستنزف أو تُدفع لقرارات متسرعة، لكن ما حدث كان العكس، تركت الخونة يمارسون تذاكيهم، ويظهرون حقيقتهم، حتى أصبحت أخطاؤهم عبئًا عليهم، وصار سلوكهم حجة ضدهم، السعودية تعرف متى تتحدث ومتى تصمت، ومتى تتفاوض ومتى تحسم، وهذا ليس ضعفًا، بل هو فهم عميق للدولة، حيث تدرك أن الصبر ليس تراجعًا وأن التوقيت جزء أساسي من القرار.

ما يحدث في اليمن اليوم هو مرحلة فرز، فرز بين من يريد دولة ومن يريد غنيمة، بين من يرى اليمن وطنًا ومن يراه منصة، ومن يراهن على الفوضى ومن يراهن على الاستقرار، وفي هذا الفرز، اختارت السعودية منذ البداية أن تكون في صف الدولة، حتى لو كان الطريق طويلاً وصعبًا.

نعم، كانت الكلفة عالية إنسانياً وسياسياً وأمنياً، لكن الكلفة الأكبر كانت ستقع لو تُرك اليمن يسقط بالكامل في يد مشروع لا يؤمن بالدولة، التاريخ علّم السعودية أن تجاهل التهديد لا يُلغي وجوده، وأن معالجة الجرح في بدايته أفضل من تركه يتفاقم.

لذا، ما يجري في اليمن ليس فوضى بلا هدف، بل هو صراع على معاني الدولة والسيادة، ومعنى أن تكون عربيًا في منطقة تُختطف فيها العواصم باسم الشعارات، والسعودية، التي تُعتبر سيدة المشهد السياسي العربي، لا تبحث عن تصفيق، بل عن نتائج ملموسة، تريد أن تُغلق هذا الملف بطريقة تمنع عودته كقنبلة موقوتة.

قد يكون الطريق طويلاً، وقد تتبدل الوجوه، لكن الحقائق تبقى ثابتة: اليمن يستحق دولة وليس ميليشيات، والمنطقة تحتاج لاستقرار وليس حروب بالوكالة، والسعودية، بخبرتها وصبرها، أثبتت أنها لا تُدار بالعاطفة، بل تتقدم نحو لحظتها عندما تعرف أنها لحظة الحسم

وإذا كان البعض لا يزال يعتقد أن الصمت ضعف، فإن التجربة اليمنية تُظهر العكس، أحيانًا يكون الصمت هو أعلى درجات القوة، وعندما تأتي اللحظة المناسبة، يتحدث التاريخ.