لعل ما يحدث في جنوب اليمن يعكس دور إسرائيل الغائب الحاضر، خصوصًا بعد سيطرة قوات “درع الوطن” التابعة للحكومة الشرعية على بعض المحافظات، مما أدى إلى تراجع مشروع المجلس الانتقالي ورئيسه عيدروس الزبيدي الرامي إلى انفصال الجنوب. عندما أعلن الزبيدي عن بدء إجراءات الانفصال في الثاني من يناير، كان الإعلام الإسرائيلي قد تناول هذا الأمر قبل ذلك بخمسة أيام، وذلك بعد اعتراف إسرائيل بـ”إقليم أرض الصومال” في أواخر ديسمبر.

في 28 ديسمبر، نشرت صحيفة “معاريف” تقريرًا يشير إلى تفكير إسرائيلي جاد في الاعتراف بأي دولة تعلن في جنوب اليمن، حيث كانت هناك محادثات مغلقة حول هذا الموضوع، وكان واضحًا أن إسرائيل كانت تنتظر اللحظة المناسبة للاعتراف بالدولة الجديدة. الزبيدي كان قد صرح في مايو الماضي بأن إعلان دولة مستقلة سيفتح الباب لإقامة علاقات رسمية مع إسرائيل، وأن الانضمام إلى اتفاقيات “أبراهام” سيكون جزءًا من استقرار المنطقة بعد الصراعات الأخيرة.

لم يكن إعلان الزبيدي مفاجئًا، فقد كانت هناك صدامات متزايدة بين قوات المجلس الانتقالي والحكومة اليمنية المدعومة من التحالف السعودي. الدعم الإسرائيلي كان واضحًا، إذ كان يهدف إلى تعزيز موقف المجلس الانتقالي في مساعيه نحو الانفصال، لذا جاءت التغطية الإعلامية الإسرائيلية حماسية بعد إعلان الزبيدي عن تنظيم استفتاء للجنوب.

من المهم أن نفهم أن موقف إسرائيل من اليمن مرتبط ارتباطًا وثيقًا باعترافها بـ”إقليم أرض الصومال”، حيث كانت تأمل في محاصرة الحوثيين من جهات متعددة، وهذا يعكس استراتيجيتها في منطقة مضيق باب المندب. لكن النظر إلى خريطة المنطقة يظهر أن إسرائيل كانت تسعى إلى أبعد من ذلك، فهي ربما أرادت السيطرة على منطقة خليج عدن لمحاصرة الحوثيين بحريًا، خاصة أن الحوثيين في حالة صراع مع السعودية.

لكن يبدو أن هناك أهدافًا أخرى، فإسرائيل كانت تسعى أيضًا لتأمين حرية الملاحة في البحر الأحمر وتقليص النفوذ التركي في المنطقة، الذي بدأ يثير قلقها بعد توسع العلاقات التركية مع بعض الدول في المنطقة. وبالنظر إلى هذا، يمكن القول إن إسرائيل كانت تحاول أن تضرب عدة عصافير بحجر واحد، عبر تعزيز نفوذها في المنطقة.

السعودية، من جانبها، كانت تدرك خطورة الوضع، لذا قامت بتصعيد مواقفها السياسية والعسكرية لدعم الحكومة الشرعية في اليمن، مما يعكس فهمها للمخططات الإسرائيلية في المنطقة. وقد أظهرت التغطية الإعلامية الإسرائيلية اهتمامًا كبيرًا بتطورات الأوضاع في اليمن، حيث ركزت على ما يمكن أن تكسبه من نجاح المجلس الانتقالي في مساعيه.

لكن مع تراجع قوات الزبيدي، يبدو أن إسرائيل قد خسرت فرصة هامة، فهي كانت تأمل في تفتيت العالم العربي وتعزيز استقرارها الإقليمي، لكن الأحداث أثبتت أن الخسارة لم تكن فقط للزبيدي، بل أيضًا لإسرائيل نفسها. فقد كان من الواضح أن التعويل على الدعم الإسرائيلي لم يكن مفيدًا للزبيدي، كما أن الاعتراف الإسرائيلي بـ”إقليم أرض الصومال” لم يجلب له أي فائدة حقيقية.

في النهاية، يمكن القول إن الخسارة التي تعرض لها الزبيدي تعكس عدم فهمه للتحولات الإقليمية والدولية، فالتعويل على دولة تعاني من عزلة دولية لم يكن خيارًا حكيمًا، مما يبرز أهمية فهم الديناميات السياسية بشكل أعمق في ظل المتغيرات المستمرة في المنطقة.