تشهد مناطق جنوب وشرق اليمن تغيرات عسكرية سريعة في الفترة الأخيرة، مما أثار مخاوف كبيرة من تداعيات أمنية خطيرة، خاصة بعد تسرب كميات من الأسلحة من المعسكرات خلال تلك التغيرات، وهذا يطرح تساؤلات حول قدرة الحكومة على معالجة هذا الوضع قبل أن يتحول إلى تهديد أكبر.
خلال الأيام الماضية، شهدت محافظات عدن وحضرموت والمهرة وشبوة تغييرات ملحوظة في موازين القوى، حيث تمكنت القوات الحكومية المدعومة من التحالف بقيادة السعودية من السيطرة على مواقع ومعسكرات كانت تحت سيطرة المجلس الانتقالي الجنوبي، مما أعاد تشكيل خريطة النفوذ العسكري في هذه المناطق.
في هذا السياق، أكد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي، أن عملية استعادة المعسكرات في حضرموت والمهرة تمت بسرعة وكفاءة، بينما أعلن محافظ حضرموت سالم الخنبشي انتصار الدولة بعد بسط السيطرة على المحافظتين.
لكن التحولات العسكرية رافقتها اتهامات متبادلة بين الحكومة والمجلس الانتقالي بشأن عمليات نهب وتهريب للأسلحة من المعسكرات، قبل أو أثناء الانسحاب من بعض المناطق، حيث اتهم وزير الإعلام اليمني معمر الإرياني قوات المجلس الانتقالي بترك مخازن السلاح عرضة للنهب، واعتبر ذلك تصرفًا خطيرًا قد يؤدي إلى فوضى في المحافظات الشرقية.
كما أشار الإرياني إلى تقارير موثوقة حول نقل قوات الانتقالي لكميات كبيرة من الأسلحة من عدن إلى الضالع ولحج، بينما حذر وزير الداخلية إبراهيم حيدان من أي نقل أو تخزين للسلاح خارج الأطر الرسمية، مؤكدًا أن ذلك يشكل تهديدًا مباشرًا للأمن والاستقرار.
في المقابل، نفى المجلس الانتقالي تلك الاتهامات، مشيرًا إلى أن عمليات النهب وقعت مع دخول مجموعات مسلحة من القبائل، مدعومة بتشكيلات من مجلس القيادة الرئاسي، ولم يصدر المجلس أي تعليق رسمي حول الاتهامات المتعلقة بتهريب الأسلحة.
خلال اليومين الماضيين، نشر ناشطون على وسائل التواصل الاجتماعي مقاطع وصور توثق عمليات تهريب الأسلحة من معسكرات كانت تحت سيطرة المجلس الانتقالي، حيث تظهر شاحنات محملة بالسلاح تغادر المدينة متجهة إلى لحج ثم الضالع.
تكتسب محافظة الضالع أهمية خاصة لرئيس المجلس الانتقالي الجنوبي عيدروس الزبيدي، كونها معقله العسكري والحاضنة الاجتماعية له، مما يجعلها مكانًا مناسبًا لتخزين السلاح بعيدًا عن الرقابة الحكومية، في محاولة للحفاظ على النفوذ السياسي والميداني.
في ظل هذه الظروف، كثفت الحكومة اليمنية والتحالف جهودهم لاحتواء عمليات تهريب الأسلحة، حيث شنّت طائرات التحالف ضربات جوية استهدفت مخازن أسلحة ومعسكرات في الضالع، بينما أعلنت السلطات في حضرموت عن استعادة كميات من الأسلحة التي نُهبت من معسكرات المكلا.
كما حذّر قائد الفرقة الثانية لقوات “درع الوطن” من خطورة بقاء السلاح خارج سيطرة الدولة، مع تحديد مهلة زمنية لتسليمه، بينما أصدرت السلطات المحلية في المهرة وشبوة تحذيرات مماثلة لمنع مرور أي أسلحة منهوبة.
يرى الصحفي أحمد شبح أن تسرب السلاح يمثل تحديًا كبيرًا للحكومة، مع مخاوف من وصوله إلى جماعات إرهابية أو شبكات تهريب، حيث أكد أن جزءًا من الأسلحة انتهى إلى أيدي المواطنين، بينما جرى تخزين جزء آخر لدى تجار السلاح.
كما أشار الكاتب أمجد خشافة إلى أن انسحاب قوات المجلس الانتقالي خلق حالة من الفوضى الأمنية، مما شجع على نهب المعسكرات، بينما يقلل المحلل العميد عبدالرحمن الربيعي من حجم الخطر، معتبرًا أن انتشار السلاح في اليمن ليس بجديد.
لكن باحثين يحذرون من أن خطورة السلاح المنهوب لا تكمن فقط في كميته، بل في توقيت تسربه وسياق الصراع الحالي، مما يجعل السيطرة عليه وإعادته إلى مخازن الدولة أمرًا ضروريًا للحفاظ على الاستقرار.
يرى الدكتور علي الذهب أن نقل الأسلحة من عدن إلى الضالع ليس مجرد تحرك محدود، بل يشير إلى وجود “جيوب متعددة” داخل المجلس الانتقالي، ويتوقع أن تكون هذه التحركات استراتيجية استباقية لمواجهة المستقبل، مشددًا على ضرورة تحرك الحكومة لاستعادة الأسلحة المهربة قبل أن يتحول هذا الملف إلى مشكلة أمنية حقيقية.

