يرى الكثيرون أن فكرة بناء سيارات ذاتية القيادة بالكامل تبدو بعيدة المنال حتى الآن، فعلى مدار الخمسة عشر عامًا الماضية، أنفقت الشركات الكبرى أكثر من 100 مليار دولار دون تحقيق المستوى الخامس من القيادة الذاتية، وهو المستوى الذي لا يتطلب أي تدخل بشري. مع مرور الوقت، انقضت المواعيد التي تم تحديدها مسبقًا، وواجهت العديد من الشركات الناشئة صعوبات مالية أدت إلى إفلاسها، بل إن بعض الشركات الكبرى في صناعة السيارات تخلت عن هذا المجال، ورغم كل ذلك، لم تتمكن الصناعة من الوصول إلى أهدافها.

لكن في ظل التطورات الجديدة في الذكاء الاصطناعي، عاد الحماس للاستثمار في هذا المجال، خاصة مع انتشار سيارات الأجرة الآلية في بعض المدن الأمريكية والصينية، ومن المتوقع أن تصل هذه التقنية إلى لندن أيضًا هذا العام. كما أن مستثمري رأس المال المخاطر يضخون أموالًا كبيرة في العديد من الشركات الناشئة في مجال الروبوتات، حيث يتوقعون أن تكون أتمتة الفيزياء هي القطاع الكبير التالي الذي سيشهد تحولًا كبيرًا بفضل الذكاء الاصطناعي.

هذا الأسبوع، قام جنسن هوانغ، الرئيس التنفيذي لشركة إنفيديا، بإطلاق برنامج جديد للقيادة الذاتية، معبرًا عن تفاؤله بأن هذه اللحظة ستحدث فارقًا في صناعة الروبوتات. وقد توقع هوانغ أنه في غضون عشر سنوات، ستكون معظم السيارات ذاتية القيادة بدرجة عالية، مما سيؤدي إلى زيادة الطلب على رقائق السيليكون الخاصة بشركته. في معرض الإلكترونيات الاستهلاكية في لاس فيغاس، ارتدى هوانغ سترته الجلدية الشهيرة، وأكد أن الوقت قد حان للذكاء الاصطناعي الفيزيائي.

إنفيديا استخدمت نماذج متقدمة لمحاكاة مليارات الأميال من القيادة، مستفيدة من نموذج “كوزموس” الذي يساعد المطورين على بناء نماذج ذكاء اصطناعي مخصصة. وبدمج مقاطع فيديو من الحياة الواقعية، تستطيع هذه النماذج مراعاة قوانين الفيزياء مثل الاحتكاك والجاذبية، كما يمكنها تطوير مهارات التفكير المنطقي، مثل إدراك أن ارتداد كرة قد يشير إلى وجود طفل غير مرئي.

أيضًا، أطلقت إنفيديا برنامج “ألبامايو”، الذي وصفه هوانغ بأنه أول نموذج تفكير واستدلال في العالم للقيادة الذاتية. بالتعاون مع مرسيدس-بنز، ستبدأ إنفيديا تجارب على سيارات ذاتية القيادة جزئيًا في الولايات المتحدة، تليها تجارب في أوروبا وآسيا لاحقًا هذا العام. هوانغ يؤكد أن كل سيارة وكل شاحنة ستكون ذاتية القيادة في يوم ما.

من جهة أخرى، سارع إيلون ماسك، رئيس شركة تسلا، إلى انتقاد هوانغ، مشككًا في فعالية برنامج “ألبامايو”. وكتب على منصة “إكس” أن الوصول إلى 99% من النجاح سيكون سهلاً، لكن الجزء المتبقي سيكون صعبًا للغاية. وهذا صحيح، فالحالات الاستثنائية هي التي تجعل القيادة الذاتية معقدة جدًا.

العالم الحقيقي مليء بالتحديات، كما حدث في سان فرانسيسكو عندما تسبب انقطاع التيار الكهربائي في تعطيل إشارات المرور، مما أدى إلى مشاكل لسيارات الأجرة ذاتية القيادة التابعة لشركة وايمو. ورغم أن أسطولها قطع أكثر من 100 مليون ميل، إلا أن سيارات وايمو توقفت عن العمل في تلك الحالة، مما أدى إلى ازدحام الشوارع.

في مثل هذه الظروف، تحتاج السيارات إلى تدخل بشري لتوجيهها، حيث تستخدم وايمو تطبيقًا لاستدعاء عمال بشريين لحل المشكلات، مثل إغلاق الأبواب المفتوحة. وفقًا لخبير الروبوتات رودني بروكس، فإن تكلفة هذا التدخل البشري ستكون تحديًا لنموذج الأعمال الخاص بالقيادة الذاتية، حيث سيحدد معدل التدخل البشري مدى الربحية.

تعتقد شركات السيارات ذاتية القيادة أنها تستطيع تحقيق الربح ما دامت خدماتها أكثر أمانًا وأقل تكلفة من السائقين البشر، حتى لو لم تصل إلى الكمال التكنولوجي. هوانغ أضاف أن نماذج الذكاء الاصطناعي يمكن استخدامها في أنظمة روبوتية أخرى، خاصة في البيئات الأكثر تقييدًا.

لكن هناك تحدٍ آخر يلوح في الأفق، وهو المنافسة الشرسة من الشركات الصينية. فقد أعلنت شركة “آي روبوت”، الرائدة في مجال المكانس الكهربائية الذكية، إفلاسها الشهر الماضي، وتم الاستحواذ عليها من قبل شركة “بايسي روبوتوكس” بمبلغ ضئيل مقارنة بقيمتها السابقة. لذا، فإن تطوير تكنولوجيا الروبوتات ليس بالأمر السهل، وبناء نماذج أعمال مستدامة قد يكون أكثر صعوبة.