عندما يتحدث محافظ بنك إنجلترا، أندرو بايلي، عن تأثير الذكاء الاصطناعي على وظائف الناس، يشير إلى أن هذا التأثير سيكون كبيرًا مثل ما شهدته الثورة الصناعية من قبل. بريطانيا كانت تعتقد أن قطاعي الخدمات والبحوث العلمية سيحميانها من الأزمات الاقتصادية، لكن مع دخولنا عصر الأتمتة، هذا الوعد أصبح مهددًا.
في نهاية العام الماضي، أطلقت “ديب مايند”، الذراع الخاصة بالذكاء الاصطناعي في “غوغل”، خططًا لإنشاء أول مختبر بحوث مؤتمت في بريطانيا، بمبلغ استثماري ضخم يصل إلى 40 مليار دولار. الحكومة رحبت بهذا التطور، معتبرة أنه خطوة نحو تحقيق طموحاتها في جعل المملكة المتحدة رائدة في مجال الذكاء الاصطناعي، لكن يجب أن نكون حذرين من هذه الوعود.
الكثيرون اعتقدوا أن مجالات البحث والتطوير ستكون بعيدة عن تأثير الأتمتة، لكن “ديب مايند” تكشف أن هذا الوهم ليس له أساس. جزء من هذا سوء الفهم يتعلق بكيفية عمل الذكاء الاصطناعي، حيث يعتقد البعض أنه يفهم الأفكار مثل البشر، لكن في الحقيقة، الأنظمة الحالية ليست إلا أدوات إحصائية متطورة، تستخلص الأنماط وتنفذ المهام بسرعة تفوق البشر، مما يجعل العديد من الوظائف الذهنية قابلة للأتمتة أكثر مما كان متوقعًا.
منذ عام 2016، قامت شركة “فوكسكون”، التي تورد منتجات لشركات كبرى مثل “أبل” و”سامسونغ”، بإحلال الروبوتات محل أكثر من 60 ألف عامل. وفي غضون عشر سنوات، من المتوقع أن تستخدم “أمازون” روبوتات أكثر من العمال البشر في مستودعاتها. اليوم، يوجد أكثر من مليون آلة تعمل في مجالات مختلفة، تتولى المهام الشاقة مثل نقل البضائع.
في حديثه على برنامج “توداي” في “هيئة الإذاعة البريطانية”، أشار بايلي إلى أن الذكاء الاصطناعي قد يؤدي إلى تحولات اجتماعية عميقة، مثلما حدث في الثورة الصناعية، حيث لم يتسبب ذلك في بطالة جماعية، لكنه أخرج الكثير من الناس من وظائفهم. واعتبر أن الذكاء الاصطناعي سيترك أثرًا مشابهًا، لذلك يجب أن نكون مستعدين لذلك.
عالم الكمبيوتر جيفري هينتون، المعروف بلقب “عراب الذكاء الاصطناعي”، كان أكثر وضوحًا، حيث أشار إلى أن الذكاء الاصطناعي سيحل محل البشر في العديد من الوظائف بحلول عام 2026. وأوضح أن الذكاء الاصطناعي يتحسن بسرعة، حيث يمكنه إنجاز المهام في وقت أقل بكثير من المعتاد، مما قد يقلل الحاجة إلى البشر في مجالات متعددة.
التقديرات تشير إلى أن 8 ملايين وظيفة في بريطانيا أصبحت عرضة للأتمتة. في السابق، كان بإمكان من فقدوا وظائفهم الانتقال إلى مجالات أخرى، لكن الأتمتة الآن تؤثر على جميع القطاعات، مما يقلص فرص العمل. حتى وظائف البحث والتطوير لن تكون محصنة، مما يثير تساؤلات حول ما سيحدث في المستقبل.
القلق الحقيقي هو أن صناع القرار لا يدركون حجم المشكلة. من خلال تجربتي في العمل مع الحكومة، يبدو أن التركيز على “التنافسية” قد أتى على حساب معالجة تداعيات الأتمتة، التي يُنظر إليها كقضايا مؤجلة. هناك قلق من أن التركيز على النمو قد يؤدي إلى تشكيل طبقة جديدة من الناس، مستبعدين من سوق العمل، مما يزيد من الاعتماد على الإعانات.
هذا السيناريو لم يعد بعيدًا، فقد أظهرت دراسة حديثة أن الشركات الأكثر تأثراً بالذكاء الاصطناعي قد خفضت التوظيف بنسبة 4.5%، في حين تراجعت الإعلانات عن الوظائف بشكل كبير. الإنفاق الاجتماعي بلغ مستويات قياسية، ومع تزايد الأشخاص خارج النشاط الاقتصادي، قد يتضح كيف يبدأ النظام برمته بالانهيار.
لا بد من التفكير في كيفية تأثير هذه التكنولوجيا على شعور الناس بقيمتهم. الذكاء الاصطناعي يعد بتحرير البشرية من العمل، لكن إذا اقتصر ذلك على فئة معينة، فإن الكفاءة ستؤدي إلى تفاقم الفجوة الاجتماعية. الأساس الذي يعتمد عليه الكثيرون في هويتهم قد يتزعزع، مما يؤدي إلى فقدان لا يمكن تعويضه بسهولة.
إذًا، نحن أمام لحظة حاسمة. الذكاء الاصطناعي ليس مجرد مسألة وظائف، بل يتعلق بمستقبل قيمة العمل نفسه. بينما نتجه نحو هذا المستقبل، يجب أن نفكر في كيفية قياس قيمة المساهمة الإنسانية بعيدًا عن الأجر، ونبحث عن طرق لتعزيز العدالة والشفافية.

