بينما تحاول الحكومة اليمنية تحت قيادة مجلس القيادة الرئاسي توحيد القرارات العسكرية والأمنية في الجنوب من خلال وزارتي الدفاع والداخلية، يهدف ذلك إلى تقليل الفوضى بعد الأحداث الأخيرة ومنع تكرار التمرد والعنف، تتجه القوى السياسية والاجتماعية نحو ضرورة العودة إلى حراك سياسي يفضي إلى حلول عملية وعادلة للأزمات والقضية الجنوبية.
تسببت التطورات الأخيرة، مثل حل المجلس الانتقالي الجنوبي بعد مغادرة رئيسه عيدروس الزبيدي، في تغيير كبير في توازن القوى السياسية والأمنية، مما فتح المجال لمرحلة جديدة تخف فيها الانقسامات الكبرى، ويسلط الضوء على القضية الجنوبية، التي ستصبح محور اهتمام رسمي وشعبي بسبب المخاوف من عودة الاضطرابات.
خروج الزبيدي من المشهد وطيّ المجلس الانتقالي الجنوبي يعني نهاية مشروع استمر لأكثر من ثماني سنوات، والذي انزلق نحو الفوضى والعنف في الأسابيع الأخيرة، في الوقت نفسه، أبدت الحكومة الشرعية والتحالف الداعم لها بقيادة السعودية مرونة كبيرة في التعامل مع قيادات الجنوب، حيث أصبح الملف الأمني والإداري له الأولوية قبل أي قضايا سياسية.
هروب الزبيدي أعفى جميع الأطراف من التعقيدات المستقبلية التي كان سيفرضها وجوده، وبالتالي، فإن التوتر الأمني والعسكري الذي كان يدير الأزمة أصبح أقل تكلفة.
عتيق باحقيبة، القيادي في الحزب الاشتراكي بمحافظة حضرموت، يشير إلى أهمية ما ورد في خطاب رئيس مجلس القيادة الرئاسي، الذي وعد بإدارة محافظة حضرموت بشكل كامل، ويؤكد أن موقف حلف قبائل حضرموت يتمسك بهذا المكسب كجزء من حل الأزمة في اليمن والقضية الجنوبية.
خيار الإدارة المرنة
لا يمكن لأي تسوية جنوبية أن تتم دون أن تلعب محافظة حضرموت دوراً مهماً، خاصة بعد الأحداث الأخيرة التي شهدتها، مما يفسر تكثيف الحراك السياسي والأمني فيها في الأسابيع الماضية.
بااحقيبة يؤكد أن حلف قبائل حضرموت يتمسك بحكم المحافظة لذاتها، حيث إن ذلك يعد من مطالب أبنائها والقوى السياسية والاجتماعية، خصوصاً بعد أن كادت الأحداث الأخيرة أن تؤدي إلى فوضى أمنية وعسكرية، لولا تدخل السعودية وحزم القرارات الرئاسية.
مؤتمر الحوار الجنوبي الذي دعت له الرياض يحمل أهمية كبيرة لمحافظة حضرموت والجنوب في هذه المرحلة، مما يستدعي مشاركة فعالة من جميع القوى الحضرمية إلى جانب السلطة المحلية بقيادة سالم الخنبشي، محافظ المحافظة.
بعد حل المجلس الانتقالي، تعود القضية الجنوبية إلى ملفات التفاوض المؤجلة، المرتبطة بمآلات الحرب مع الحوثيين والتوازنات الإقليمية، هذا التحول قد يقلص مساحة الشعارات، لكنه يفتح الباب أمام مكاسب عملية على الأرض بشرط وجود قيادة جنوبية قادرة على إدارة الواقع بدلاً من اللجوء إلى خطاب العنف.
الأحداث في اليمن أثبتت أن التعامل بجدية مع المطالب الجنوبية أكثر فاعلية من تجاهلها، فالإدارة المرنة يمكن أن تحقق الاستقرار وتمنع فتح جبهات جديدة، وتعمل على تقليص الخطاب المناطقي دون تفكيك المطالب بالعدالة والإنصاف.
علي الخولاني، الأكاديمي والباحث السياسي، يشير إلى أن الفرصة سانحة الآن للعمل السياسي بعيداً عن الهيمنة الأحادية، حيث أثبتت الأحداث أنه لا يمكن التهاون مع أي أعمال تهدف إلى تقسيم اليمن أو تهديد الأمن القومي لجيرانه، خاصة تلك التي تشبه تصرفات الحوثيين التي كانت تتطلب التعامل معها بالقوة.
تسويق نموذج
تسعى القوى السياسية والاجتماعية في محافظة حضرموت إلى صياغة حلول مستدامة، حيث لا يوجد سعي لتفكيك الدولة اليمنية ولا عودة إلى المركزية السابقة، بل دعوات إلى إدارة ذاتية للمحافظات الجنوبية، مع التركيز على حضرموت.
تلعب حضرموت دوراً محورياً في مستقبل البلاد، حيث شهدت استقراراً أكثر من غيرها رغم الظروف المعقدة، وهي الأكثر جذباً لمشاريع الحكم المتحررة من المركزية.
أحلام جابر، الناشطة السياسية، ترجح أن يؤدي مؤتمر الحوار في الرياض إلى إعادة ترتيب المشهد الجنوبي على أسس سياسية عادلة تعترف بالواقع، مما يجعل محافظة حضرموت فاعلة في إحداث فارق جوهري.
تمثل حضرموت نموذجاً يمكن أن يُحتذى به في باقي المحافظات، ما يسهل تفكيك العقد المزمنة وتعديل طرق التعامل مع الأزمات، حيث توجد سلطة محلية تمثل المحافظة، وحلف قبائل له حضور اجتماعي وأمني.
المرحلة ما بعد المجلس الانتقالي ليست فراغاً سياسياً، بل هي إعادة تموضع، حيث يتجه الجنوب نحو مرحلة من الاستقرار بفضل حزم السلطة الشرعية ودعم التحالف بقيادة السعودية، في انتظار حسم سياسي وتسوية شاملة بدون توترات أمنية.

