خلال العامين الماضيين، كان هناك اهتمام كبير بسؤال يتعلق بالتكنولوجيا، وهو من يمتلك أفضل نموذج لغة من حيث الأداء وحجم البيانات وقوة الحوسبة، ولكن اليوم بدأ السؤال يتغير بشكل هادئ لكنه عميق، وهو كيف تعمل هذه النماذج داخل الأعمال، وما هي التكلفة والسرعة ومستوى الاعتمادية المطلوبة، وهنا يبدأ ما يمكن أن نسميه عصر الاستدلال، حيث تنتقل القيمة من مرحلة تدريب النموذج إلى سنوات استخدامه في المؤسسات، وتبدأ معايير قياس الذكاء الاصطناعي في التغير، حيث تركز على كفاءة التشغيل بدلاً من ضخامة النموذج.

نماذج اللغة الكبيرة، أو ما يعرف بـ LLMs، تمثل العقل الخام الذي يتم تدريبه بتكاليف رأسمالية مرتفعة، لكن التدريب يحدث مرات محدودة، بينما الاستدلال هو الاستخدام المتكرر للنموذج في الحياة العملية، مثل تلخيص التقارير، والبحث داخل الوثائق، ودعم القرار، وربط المعرفة بالعمل، من الناحية الاقتصادية، الاستدلال هو التكلفة الفعلية لاستخدام الذكاء الاصطناعي، وهو ما يحدد ما إذا كان هذا المنتج مجديًا أو مجرد تجربة تقنية، لذلك أصبح السؤال ليس من يملك النموذج الأفضل، بل من يستطيع استخدامه بكفاءة أعلى وتكلفة أقل وعلى نطاق أوسع.

هذا التحول لم يعد مجرد نظرية، حيث تشير تقديرات الأسواق إلى أن سوق الاستدلال العالمي قد يتجاوز 250 مليار دولار خلال العقد المقبل، مدفوعًا بتوسع تطبيقات الذكاء الاصطناعي في الوقت الحقيقي داخل القطاعات الصناعية والتجارية، ولهذا السبب، تتجه الاستثمارات من سباق تدريب النماذج إلى بناء بنى تشغيل قادرة على معالجة ملايين الطلبات بسرعة استجابة منخفضة، لأن تكلفة الطلب الواحد هي التي تحدد هوامش الربحية.

في هذا السياق، تتحرك السعودية نحو مسار عملي يعتمد على القدرة التشغيلية وحسن الاستخدام، فوجود نموذج لغوي عربي وطني مثل ALLaM لا تقتصر أهميته على كونه نموذجًا كبيرًا، بل في إمكانية تحويله إلى خدمات مؤسسية في الحكومة والقطاع الخاص، مثل التلخيص والبحث الدلالي والمساعدات الافتراضية، أي تطبيقات استدلال كثيف وليست مجرد تجارب، ومن جهة أخرى، يتم الاستثمار في البنية الحوسبية ومراكز البيانات، لأن الاستدلال يحتاج إلى بنية تحتية قوية ومستقرة أكثر مما يحتاج إلى مختبرات تدريب.

تظهر دلالة مشروع هيكساجون التابع لسدايا، كأحد أكبر مراكز البيانات الحكومية، حيث تصنف كمركز Tier IV بطاقة تشغيلية تصل إلى 480 ميجاوات، مما يدل على أن المعركة ليست مجرد حوسبة، بل جاهزية تشغيل تضمن الاستمرارية والاعتمادية.

أرامكو السعودية تعتبر مثالًا واضحًا يوضح الفرق بين الذكاء الاصطناعي العام والتشغيلي، فالهدف ليس بناء مساعد عام، بل تطوير نماذج لغوية متخصصة لقطاع الطاقة تستند إلى معرفة تشغيلية تراكمت على مر السنوات، تدعم عمل المهندسين، وتسرع فهم التقارير الفنية، وتربط النتائج بقرارات تشغيلية تعتمد على معايير السلامة، ومن هنا يمكن فهم توجه أرامكو بأن الذكاء الاصطناعي يتحول من طبقة عرض إلى طبقة تشغيل داخل القرارات اليومية، حيث تصبح الدقة شرطًا أساسيًا في بيئة مغلقة تكون فيها تكلفة الخطأ مرتفعة.

عالميًا، تؤكد تحركات الشركات الكبرى هذا الاتجاه، فدخول شركة NVIDIA الأمريكية في اتفاقيات ترخيص وتعاون في تقنيات الاستدلال مع شركات متخصصة يوضح أن المرحلة المقبلة تعتمد على قدرة تنفيذ الاستدلال بسرعة وكفاءة وتكلفة أقل.

لم يعد دور الاتصالات مقتصرًا على نقل البيانات، بل أصبح بناء بيئة تشغيلية للذكاء الاصطناعي، وهذا يتجلى في دور شركة Center3 التابعة لمجموعة STC في بناء مراكز بيانات عالية الكثافة تصل إلى 1 جيجاوات بحلول 2030، لترجمة الاستدلال إلى خدمات تشغيلية قابلة للقياس داخل القطاعات الحكومية والخاصة.

الذكاء الاصطناعي يدخل مرحلة جديدة، حيث لم تعد النماذج وحدها كافية، ولا يكفي الزخم حول التدريب، فالقيمة ستظهر عند الاستخدام وعند القدرة على تشغيل الاستدلال بكفاءة وتكلفة قابلة للقياس، من يبني البنية التحتية ويجعل الذكاء الاصطناعي جزءًا من منظومة الأعمال اليومية داخل المؤسسات هو من سيقود المرحلة المقبلة.