تشهد القضية الجنوبية في اليمن تحولًا سياسيًا مهمًا مع إعلان المجلس الانتقالي الجنوبي عن حله، وهو ما غيّر المشهد في الجنوب وفتح المجال لبدء مسار سياسي جديد برعاية المملكة العربية السعودية، ومع دعم متزايد من المجتمع الدولي والإقليمي للتوصل إلى تسوية شاملة للأزمة اليمنية.
هذا التطور جاء بعد إعلان رسمي من المجلس الانتقالي، الذي كان له دور بارز في الأحداث السياسية والعسكرية في الجنوب، حيث قرر حل نفسه وكافة هيئاته وإلغاء مكاتبه في الداخل والخارج، وتم بث هذا البيان من العاصمة السعودية الرياض عبر قناة اليمن الحكومية، وتلته وكالة الأنباء اليمنية الرسمية.
اعتبر وزير الدفاع السعودي خالد بن سلمان أن هذه الخطوة تمثل تحولًا نوعيًا في التعامل مع القضية الجنوبية، ووصف قرار حل المجلس بأنه شجاع ويعكس حرصًا على مستقبل القضية، مؤكدًا أنه سيفتح المجال لمشاركة أوسع لمكونات الجنوب في مؤتمر الرياض المرتقب.
حلّ المجلس الانتقالي وإعادة تشكيل المشهد
جاء إعلان حل المجلس في وقت سياسي وعسكري معقد، بعد أسابيع من الاشتباكات بين قوات المجلس والقوات الحكومية وتحالف دعم الشرعية في عدد من المحافظات الجنوبية والشرقية، حيث شهدت حضرموت والمهرة سيطرة لقوات المجلس الانتقالي في ديسمبر الماضي، لكن قوات “درع الوطن” استعادت السيطرة بعد معارك استمرت عدة أيام، رغم رفض المجلس لدعوات الانسحاب.
هذا الحل يمثل نهاية مرحلة سياسية كانت مليئة بالصراعات حول شكل الدولة ومستقبل الجنوب، حيث كان المجلس الانتقالي يطالب بانفصال الجنوب عن الشمال، مبررًا ذلك بتهميش تاريخي للمناطق الجنوبية، بينما كانت السلطات اليمنية تتمسك بوحدة البلاد.
تراجع نفوذ المجلس تدريجيًا، بعد أن رحبت سلطات أبين وشبوة ولحج بعودة القوات الحكومية، ليقتصر وجود المجلس على مناطق محدودة في عدن والضالع، قبل أن يعلن حل نفسه بشكل كامل.
مؤتمر الرياض ومسار القضية الجنوبية
تعمل المملكة العربية السعودية حاليًا على تحويل هذا التحول إلى مسار سياسي منظم من خلال التحضير لمؤتمر جنوبي شامل ستستضيفه الرياض، بمشاركة شخصيات من مختلف محافظات الجنوب، دون إقصاء أو تمييز.
أعلن وزير الدفاع السعودي عن تشكيل لجنة تحضيرية بالتشاور مع شخصيات جنوبية للإعداد للمؤتمر، مع تأكيد دعم المملكة لمخرجاته، وطرحها لاحقًا على طاولة الحوار السياسي الشامل في اليمن، وتأتي هذه الخطوة بعد دعوة الرياض في بداية يناير لجميع المكونات الجنوبية للمشاركة في المؤتمر لوضع تصور شامل للحلول العادلة للقضية الجنوبية، وهو الطلب الذي لاقى ترحيبًا عربيًا واسعًا.
ترى الرياض أن مؤتمر الجنوب يمثل فرصة لجمع الأطراف الجنوبية المختلفة وصياغة رؤية موحدة تعكس تطلعات السكان، وتنسجم مع الجهود الدولية لإنهاء الصراع اليمني المستمر منذ سنوات.
تداعيات إقليمية ودولية
يفتح حل المجلس الانتقالي الجنوبي المجال لمرحلة جديدة في التعاطي الإقليمي والدولي مع الملف اليمني، مع سعي المجتمع الدولي لتثبيت التهدئة ودفع العملية السياسية نحو تسوية مستدامة، ويعكس الدعم الدولي لمؤتمر الرياض قناعة متزايدة بأهمية معالجة القضية الجنوبية ضمن إطار وطني شامل يوازن بين الخصوصيات المحلية ومتطلبات وحدة الدولة، مما يساعد على تقليل احتمال عودة المواجهات المسلحة في المناطق الحساسة.
هذا المسار يعيد ترتيب موازين القوى في الجنوب، ويضع المكونات السياسية والاجتماعية أمام اختبار القدرة على الانتقال من منطق الصراع إلى منطق التفاوض، في وقت تزداد فيه الضغوط الإنسانية والاقتصادية على البلاد، ويربط المراقبون نجاح هذا المسار بمدى شمولية المؤتمر المرتقب وقدرته على تمثيل مختلف الأصوات الجنوبية وتحويل مخرجاته إلى التزامات سياسية قابلة للتنفيذ ضمن إطار الحل الشامل للأزمة اليمنية.
قراءة سياسية
يرى المحرر السياسي والكاتب السعودي علي الحارثي أن ما حدث يمثل لحظة فاصلة في تاريخ القضية الجنوبية، حيث انتقل الملف من حالة الصدام المفتوح إلى مسار سياسي منظم برعاية دولة ذات ثقل إقليمي، ويضيف أن حل المجلس الانتقالي لم يكن خطوة معزولة، بل جاء نتيجة لتغيرات ميدانية وسياسية فرضت إعادة التفكير في إدارة القضية الجنوبية ضمن سياق أوسع يسعى لإنهاء الحرب اليمنية، ويختتم الحارثي بالقول إن نجاح مؤتمر الرياض يعتمد على قدرته في إنتاج تصور واقعي ومتوازن يراعي تطلعات الجنوبيين ويمنحهم دورًا حقيقيًا في مستقبل اليمن دون إعادة إنتاج أسباب الصراع.

