قراءة ثقافية في الذكاء الاصطناعي من زاوية غير مألوفة، تبدأ من الماء الذي يبرّد الخوارزميات، وتصل إلى الذاكرة، والمحاكاة، والسؤال الأهم: من يملك القرار؟ يتناول هذا المقال الذكاء الاصطناعي من منظور نقدي، متجاوزًا الحديث التقني المعتاد، حيث يبدأ من استخدام الماء في تبريد الحواسيب العملاقة، ليكشف عن الهشاشة المادية التي يقوم عليها هذا “العقل” الحديث، ثم يتناول الذاكرة الرقمية وحدودها، وكذلك إشكالية المحاكاة، وصولًا إلى السؤال الأعمق: ماذا يحدث عندما نمنح الآلة مساحة أكبر في اتخاذ القرار؟ يسعى المقال إلى إعادة الإنسان إلى مركز النقاش، ليس فقط كمستخدم للتقنية، ولكن كمسؤول أخلاقي عن حدودها ومعانيها

خلال الأشهر الماضية، انتشر على وسائل التواصل الاجتماعي مقطع فيديو بعنوان “هل سيُعطّشنا الذكاء الاصطناعي يومًا ما؟”، الذي يتناول استخدام كميات ضخمة من الماء في تبريد الحواسيب العملاقة التي تدير أنظمة الذكاء الاصطناعي، وقد أثار هذا الفيديو قلقًا واسعًا وتساؤلات حول كلفة هذه التقنيات على الموارد الطبيعية، مما دفع الكثيرين لإعادة النظر في الصورة الشائعة عن الذكاء الاصطناعي كتقنية غير مادية.

اللافت أن ردود الفعل لم تقتصر على الدهشة التقنية، بل امتدت إلى أسئلة أعمق حول طبيعة الذكاء الاصطناعي وحدوده، وكيف أن هذه الأنظمة تتسلل إلى تفاصيل حياتنا اليومية، مما يجعل التمييز بين الحقيقي والمُصطنَع أكثر التباسًا من أي وقت مضى.

لوقت طويل، ارتبطت صورة الحاسوب بالابتعاد عن الماء، لكن هذا التصور تغيّر مع تطور الحوسبة عالية الأداء، حيث أصبحت الحرارة الناتجة عن المعالجات المتقدمة التحدي الأكبر أمام استقرار الأنظمة الرقمية. في هذا الإطار، اتجهت شركات تقنية كبرى إلى استخدام أنظمة تبريد مائي متقدمة، نظرًا لقدرة الماء العالية على امتصاص الحرارة مقارنة بالهواء، ولم يعد الماء عنصر خطر، بل أصبح جزءًا أساسيًا من البنية التحتية التي تساعد الذكاء الاصطناعي على العمل بكفاءة. ومع ذلك، فإن فهم البنية المادية للذكاء الاصطناعي وحده لا يكفي، بل يجب أن ننتبه إلى كيفية تعاملنا مع هذه الأنظمة ومع ما تنتجه. فبعض الآراء تختزل الذكاء الاصطناعي في كونه “مجموعة حواسيب هائلة تعمل بسرعة”، مما يؤدي إلى التشكيك في أي قيمة لما ينتجه. رغم أن هذا الوصف صحيح من الناحية التقنية، إلا أن اختزاله في هذا الإطار يقود إلى استنتاج ناقص، فالقيمة هنا لا تأتي من الوعي، بل من طريقة الاستخدام وحدودها.

نحن نعتد يوميًا بنتائج أنظمة غير واعية، من توقعات الطقس إلى أنظمة الملاحة، ليس لأنها تفهم، بل لأنها تحلل البيانات ضمن سياق محدد. الإشكال الحقيقي لا يكمن في كون الذكاء الاصطناعي آلة، بل في منحه سلطة القرار بدل أن يبقى أداة مساعدة على التفكير. وعندما نربط هذا بالسؤال البيئي حول الماء، يتضح أن الخطر ليس في التقنية نفسها، بل في تعامل الإنسان معها كبديل عن الحكم والمسؤولية، وليس كوسيلة لفهم أعمق لعواقبها.

من التصورات الشائعة أن الحواسيب تمتلك ذاكرة لا تنفد، لكن الواقع التقني أكثر تعقيدًا، فالذاكرة الرقمية تتكون من طبقات متعددة تختلف في السعة والسرعة والوظيفة، وتنظيمها يعد شرطًا أساسيًا لاستقرار الأداء، وفي هذا السياق، لا يُعد النسيان خللًا، بل ضرورة تنظيمية لضمان الكفاءة ومنع التخمة المعرفية.

برز الذكاء الاصطناعي كأداة قادرة على تقليد الأصوات واللهجات وإنتاج صور ومقاطع فيديو عالية الواقعية، ورغم هذا الإتقان، يشعر كثير من المتلقين بوجود خلل غير مرئي؛ حيث يحاكي الذكاء الاصطناعي الشكل، لكنه لا يعيش التجربة، ولا يختبر السياق الإنساني أو الثقل الشعوري للمعنى. ومع منح الآلة حرية القرار، يبرز هنا سؤال أخلاقي جوهري: ما مآلات منح الذكاء الاصطناعي مساحة متزايدة في اتخاذ القرار؟ فالقرار الآلي، وإن بدا محايدًا، يظل نتاج بيانات بشرية تحمل تحيزات وسياقات غير متكافئة، ومع تفويض القرار، تنتقل المسؤولية تدريجيًا من الإنسان إلى النظام

خلص المقال إلى أن الذكاء الاصطناعي، رغم تطوره، يظل نظامًا مقيدًا ببنية مادية ومعرفية واضحة، فالماء عنصر أساسي في استدامة الحوسبة، والذاكرة الرقمية لا تعمل بكفاءة إلا عبر تنظيم ما يُحفظ وما يُنسى، بينما تظل المحاكاة الحسية عاجزة عن بلوغ التجربة الإنسانية الكاملة، إن الوعي بهذه الحدود يمثل شرطًا أساسيًا لاستخدام الذكاء الاصطناعي بطريقة نقدية ومسؤولة، خاصة مع اتساع مساحة القرار الممنوحة للآلة.

المراجع تشمل Google حول كفاءة مراكز البيانات وأنظمة تبريد الماء، ومشروع Natick من Microsoft حول مراكز البيانات تحت الماء، وكتب Patterson وHennessy حول تنظيم وتصميم الكمبيوتر، ومختبر MIT Media حول اكتشاف الوسائط التي تم إنشاؤها بواسطة الذكاء الاصطناعي، ومجموعة HCI من جامعة ستانفورد حول الوسائط الاصطناعية وإدراك البشر، وأيضًا OpenAI حول قيود نماذج اللغة الكبيرة.