هل يمكننا فعلاً التمييز بين حديثنا مع إنسان أو ذكاء اصطناعي؟ هذا السؤال كان دائماً محط اهتمام الكثيرين عندما نتحدث عن مدى ذكاء الحواسيب، وهو موضوع يعود أصله إلى اختبار تورينغ الذي اقترحه عالم الرياضيات آلان تورينغ عام 1950، حيث جعل التفكير الفلسفي حول ذكاء الآلة قابلاً للاختبار بشكل عملي للمرة الأولى.
اختبار تورينغ يقول إنه إذا كان سلوك الحاسوب مشابهًا لسلوك الإنسان لدرجة أنه لا يمكن تمييزه، فإنه يعتبر سلوكاً ذكياً، لكن في عام 2014، عندما أعلن أن روبوت محادثة اجتاز الاختبار، لم يكن الأمر كما توقع الجميع بل أثار جدلاً كبيراً.
اختبار تورينغ هو في الأساس لعبة تقليد، يتواصل فيها شخص عبر نص مع إنسان آخر وآلة، يُسمح له بطرح أي أسئلة، وفي النهاية عليه تحديد أيهما الإنسان وأيهما الآلة، ويشير الدكتور كاميرون جونز إلى أن تورينغ قال إن عدم قدرة الناس على التمييز بين البشر والآلات يعني أنه لا يوجد أساس للقول إن الإنسان يفكر بينما الآلة لا تفعل ذلك، وتوقع تورينغ أنه بحلول عام 2000، ستكون الحواسيب قادرة على اجتياز الاختبار في 30% من الحالات.
في عام 2014، نجح روبوت يُدعى يوجين غوستمان في إقناع 33% من الحكام بأنه إنسان، لكنه كان يتواصل على أنه فتى أوكراني عمره 13 عاماً، واعتبر البعض أن الروبوت لم يكن يلعب اللعبة بنزاهة لأن ردوده كانت تتناسب مع عيوب اللغة لدى مراهق أوكراني، وفي ورقة بحثية نُشرت في 2025، أظهرت أن شات جي بي تي 4.5 تم تصنيفه كإنسان في 73% من الحالات، مما يثير تساؤلات حول ما إذا كانت هذه النماذج قد اجتازت الاختبار بالفعل.
في عام 1980، طرح الفيلسوف جون سيرل تجربة فكرية تعرف باسم “حجة الغرفة الصينية”، حيث يُحتجز شخص لا يتحدث الصينية في غرفة ويستخدم تعليمات للرد على أسئلة مكتوبة بالصينية، بينما يبدو للآخرين أنه يتحدث الصينية، وهذا يشير إلى أن الآلات قد لا تفهم المعاني، بل ترد بناءً على برمجة مسبقة.
هناك نقاشات حول ما إذا كان اختبار تورينغ يقيس الذكاء الحقيقي أم مجرد قدرة الآلة على المحاكاة، حيث يرى بعض الباحثين أن اختبار تورينغ لا يزال يحتفظ بمكانته رغم الانتقادات، لأنه يقيس القدرة على محاكاة البشر، ومع استمرار تطور أنظمة الذكاء الاصطناعي، قد تصبح غير قابلة للتمييز عن البشر، مما يثير الحاجة إلى قوانين تنظم هذا المجال وتضمن المساءلة.
وفي النهاية، يبقى السؤال عن مدى قدرة الذكاء الاصطناعي على محاكاة الإنسان موضوعاً مهماً، حيث نعيش في زمن تتزايد فيه تفاعلاتنا مع هذه الأنظمة، وقد ندرك أننا نتحدث مع آلة دون أن نعرف ذلك، مما يجعل اختبار تورينغ ذا صلة اليوم أكثر من أي وقت مضى.

