تسعى الأبحاث الحديثة لاستكشاف مجالات جديدة يمكن للذكاء الاصطناعي أن يسهم فيها، ومن بين هذه المجالات محاولة فهم كيفية تحرك الناس في حياتهم اليومية. في هذا السياق، عمل فريق من جامعة نورث إيسترن الأميركية على دراسة تُظهر أن النماذج اللغوية الكبيرة يمكن استخدامها لتوقع الحركة البشرية بدقة أكبر، مما يتيح تطوير أدوات تساعد في تحسين النقل والتعامل مع المواقف الطارئة.
البحث، الذي نُشر على موقع arXiv، يكشف أن هذه النماذج تستطيع تقدير الموقع الذي قد ينتقل إليه الشخص خلال دقائق أو ساعات، مما يفتح المجال أمام تطبيقات واسعة في الحياة اليومية وفي حالات الطوارئ.
طوّر الفريق البحثي أداة تُدعى ريذم، ويصفها ريان وانغ، الأستاذ المشارك في الهندسة المدنية والبيئية، بأنها قادرة على توقع موقع الشخص بعد 30 دقيقة أو حتى خلال 25 ساعة. يأمل الباحثون أن تسهم هذه التقنية في تحسين مجالات النقل والتخطيط المروري، مع إمكانية توظيفها أيضاً في التعامل مع الأحداث الطارئة مثل الكوارث الطبيعية والحوادث الكبرى والهجمات الإرهابية.
لطالما واجه الباحثون تحدياً في توقع حركة الأفراد بسبب ما يبدو من عشوائية في سلوكهم اليومي، لكن الدراسة تشير إلى أن التدقيق يكشف وجود أنماط زمنية متكررة، سواء كانت يومية أو أسبوعية أو شهرية، تمثل “إيقاعًا” للسلوك التنقلي. الكثيرون يزورون أماكن معينة في أوقات ثابتة من الأسبوع مثل أماكن العمل أو الدراسة أو التسوق.
تعتمد الأداة الجديدة على بيانات تنقّل مفتوحة المصدر، وعلى قدرة النماذج اللغوية الكبيرة على فهم السياق. بدلاً من التعامل مع مسار الحركة كسلسلة واحدة طويلة، يتم تقسيمه إلى وحدات صغيرة تساعد على التقاط الأنماط الدورية الدقيقة. يشير وانغ إلى أن هذه الطريقة تجعل الأنماط المجردة أكثر وضوحًا للنظام، مما يعزز من قدرته على التنبؤ.
أظهرت نتائج الاختبارات أن التقنية الجديدة تتجاوز دقة النماذج المماثلة بنسبة 2.4%، وترتفع نسبة التفوق إلى 5% خلال الفترات غير المنتظمة مثل عطلات نهاية الأسبوع. كما تمتاز بقدرتها على التدريب خلال وقت أقصر من المعتاد، وهو عنصر أساسي في العمل على النماذج الكبيرة.
يؤكد وانغ أن حركة مجموعات السكان، مثل تدفق سكان ضواحي بوسطن إلى المدينة نهارًا وعودتهم مساءً، يمكن توقعها بشكل جماعي، بينما تبقى التحركات الفردية شديدة العشوائية. ومع ذلك، يساعد دمج قدرات النماذج اللغوية الكبيرة على فهم هذا التباين وتمثيله بصورة أكثر دقة.
اختبر الباحثان التقنية باستخدام بيانات حركة امتدت لسبعة أيام لمجموعة من الأشخاص، وتبين أنها قادرة على توقع تحركات اليوم التالي، أو الأيام القليلة اللاحقة، أو حتى الأسبوع المقبل. إلا أن التوقع لفترات أطول يصبح أقل دقة بسبب تراكم الأخطاء.
يرى الفريق أن القدرة على التنبؤ قصير المدى هي الأكثر أهمية، خصوصًا عند التعامل مع الأزمات، إذ يمكن أن تساهم معرفة كيفية تحرك الناس خلال الساعات الأربع والعشرين المقبلة في إنقاذ الأرواح واتخاذ قرارات سريعة وفعالة.
يختتم وانغ بالقول إن الاستفادة من الخصائص المعقدة للنماذج اللغوية قد تتيح توقع أحداث نادرة، مما يفتح المجال أمام استخدامات جديدة لفهم سلوك البشر بواسطة الذكاء الاصطناعي.

