منذ أن تم إطلاق تطبيق «تشات جي بي تي» قبل ثلاث سنوات، انقسم المستثمرون إلى فريقين، الأول اندفع نحو الذكاء الاصطناعي بكل حماس، بينما الثاني بدأ يحذر من فقاعة تكنولوجية جديدة قد تظهر. المتفائلون يرون أن الوضع مختلف هذه المرة، حيث يعتبرون أن الذكاء الاصطناعي ليس مجرد قصة تقييمات أسهم، بل هو تحول اقتصادي شامل يؤثر على الاقتصاد الكلي. بينما يشكك الآخرون في ذلك، محذرين من أن الاقتصاد ما زال يواجه مخاطر كبيرة.
الاستثمارات الضخمة في مجال الذكاء الاصطناعي خلال السنوات الخمس المقبلة تعتمد على إيمان بأن هناك تحولاً تكنولوجياً كبيراً يحدث بالفعل في الاقتصاد الأمريكي والعالمي. لكن المتحفظين يرون أن الاعتماد على الإيمان وحده ليس كافياً، ويشددون على أن العوائد قد لا تبرر هذا الإنفاق المتزايد، خاصة في ظل ارتفاع التقييمات والديون، مع وجود رابحين وخاسرين.
للحصول على فهم أعمق، يمكن النظر إلى المسألة من منظور تاريخي، حيث تناول استراتيجيون في شركة بلاك روك هذا الموضوع في تقريرهم السنوي، مشيرين إلى أن حتى هذا التحول التكنولوجي الهائل قد يواجه صعوبات في تغيير مسار النمو الاقتصادي الأمريكي الذي استمر طوال 150 عاماً. وذكر التقرير أن الولايات المتحدة لا تزال في موقع الريادة الاقتصادية، لكن الابتكارات الكبرى على مر التاريخ لم تكن كافية لتجاوز معدل نمو يبلغ 2%.
ومع ذلك، ترى بلاك روك أن هذا الاختراق، رغم صعوبته، ليس مستحيلاً، فالذكاء الاصطناعي لديه القدرة على تعزيز عملية الابتكار، مما قد يسرع من الاكتشافات العلمية في مجالات مختلفة. يظهر رسم بياني أعدته بلاك روك أن نمو نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في الولايات المتحدة منذ عام 1870 ظل قريباً من 2%، باستثناء فترات كبرى مثل الحرب العالمية الثانية.
السؤال الذي يطرح نفسه الآن: هل ستكون هذه المرة مختلفة حقاً؟ يبدو أن قصة الذكاء الاصطناعي هذا العام طغت على المخاوف الأخرى المتعلقة بالدورة الاقتصادية والسياسات النقدية. ومع انتظار العالم لثمار هذا التحول، يبقى الأفق الاقتصادي القريب محكوماً بسقف نمو قريب من 2%، خاصة مع استمرار الاختناقات في سوق العمل وسلاسل الإمداد.
رغم أن نمو الناتج المحلي تجاوز التوقعات منذ بداية العام، إلا أن هناك قلقاً متزايداً من سخونة اقتصادية مفرطة العام المقبل. الأنظار تتجه مرة أخرى إلى سياسة الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، في ظل استمرار التيسير النقدي والقلق المتزايد بشأن التأثير السياسي على البنك المركزي مع قرب انتهاء ولاية رئيسه الحالي.
على عكس السنوات السابقة، يُنظر إلى خفض الفائدة اليوم كمخاطرة اقتصادية، فهو مفيد على المدى القصير لأسواق الأسهم، لكنه قد يؤدي لمشكلات تضخمية على المدى الطويل. وفي مراجعة تاريخية، أشار خبير استراتيجي في دويتشه بنك إلى أن خفض أسعار الفائدة في أوقات غير الركود غالباً ما أدى إلى سخونة اقتصادية، مستشهداً بمثال الولايات المتحدة في أواخر الستينات عندما تسبب خفض الفائدة في موجة تضخم انتهت بركود بعد العودة للتشديد.

