لم تكن الضربة العسكرية الأخيرة التي نفذتها اليمني-يرحب-بقرار-الانتقا/">السعودية ضد قوات مدعومة من الإمارات في اليمن مجرد حادث عابر، بل كانت نقطة تحول مهمة تشير إلى أن المنطقة دخلت مرحلة جديدة، حيث بدأت تتفكك التحالفات التقليدية. الضربة في المكلا كانت تعبيرًا عن انهيار فكرة إمكانية استغلال الفوضى دون أن تعود آثارها على من يسببها.

الهجوم جاء نتيجة إدراك أن إبقاء اليمن ضعيفًا يمكن أن يؤدي إلى ظهور كيانات مسلحة تهدد الحدود الجنوبية للسعودية، مما قد يحولها إلى نقطة ضعف دائمة كما حدث مع جنوب لبنان بالنسبة لإسرائيل أو شمال سوريا بالنسبة لتركيا.

لم تكن الضربة مجرد استعراض للقوة، بل كانت مدفوعة بمخاوف من أن أدوات النفوذ التي كانت تُعتبر موثوقة قد تتحول إلى تهديدات مستقبلية. الرسالة الموجهة إلى الإمارات كانت تتجاوز الجانب العسكري، لتشير إلى أن أساليب النفوذ عبر وكلاء محليين أصبحت مكلفة وقد تأتي بنتائج عكسية.

بالنسبة للإمارات، كشفت الضربة عن ضعف استراتيجيتها، إذ لم تستند قوتها إلى عمق ديمغرافي أو تاريخي، مما يجعل من الصعب عليها ترسيخ نفوذ طويل الأمد في المنطقة، رغم ثروتها وقدراتها المالية. تعتمد أبوظبي على نموذج السيطرة غير المباشرة عبر الموانئ والجزر، لكن هذا النموذج يصبح هشًا عندما تبدأ الدول، حتى المنهكة منها، في استعادة غريزة البقاء والدفاع عن مجالاتها.

السؤال الملح بالنسبة للإمارات لا يقتصر على كيفية الرد على الضربة، بل يتعداه إلى قدرتها على الاستمرار كلاعب خلف الستار في مرحلة لم تعد تحتمل وجود لاعبين في الظل. البحر الأحمر لم يعد مجرد ممر ملاحي، بل أصبح ساحة لتوزيع موازين القوة. إسرائيل تسعى إلى تجريده من أي سيادة عربية فاعلة، بينما إيران تريد البحر متقلبًا ليكون أداة ضغط. تركيا تطوّق الأطراف لتوسيع نفوذها.

لم يكن اعتراف إسرائيل مؤخرًا بأرض الصومال مجرد خطوة رمزية، بل كان تحركًا يستهدف إعادة تشكيل البحر الأحمر. السيطرة على مضيق باب المندب تعني القدرة على الضغط على الخليج ومصر. الحروب الحديثة لم تعد تُخاض بالدبابات، بل بالاعتراف السياسي وسلاسل الإمداد.

في هذا السياق، تسعى إسرائيل لتفكيك قدرات الدول العربية وتحويلها إلى وحدات وظيفية، مثلما حدث مع فلسطين ولبنان وسوريا والعراق. الجزائر تمثل حالة مختلفة، إذ تمتلك ذاكرة تحررية وجيشًا منضبطًا، مما يجعلها هدفًا للإضعاف لا للتفكيك.

تركز إسرائيل على مناطق الخليج والقرن الأفريقي لتفتيت الدول إلى وحدات وظيفية، مما يجعل الإمارات كيانًا وظيفيًا يربط هذه المناطق بالتحالفات الإسرائيلية. السيناريوهات المستقبلية قد تشمل تصعيدًا عسكريًا في اليمن، مما قد يهدد حركة الشحن في البحر الأحمر ويجبر مصر على الانخراط بشكل أكبر في حماية الممرات الاستراتيجية.

مصر تواجه تحديات كبيرة، مثل التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير، مما يؤثر على قدرتها على تأمين الممرات الحيوية. التوترات في السودان وليبيا تزيد من تعقيد الوضع، حيث تواجه مصر تآكل قدرتها الردعية.

ما يحدث اليوم ليس مجرد أزمة عابرة، بل تحول تاريخي من إدارة الأزمات إلى إدارة الخرائط نفسها. الصراع لا يقتصر على الدول بل يتعلق بفراغ السيادة والقرار. من يترك الفراغ دون حراسة سيجد أن الآخرين يملؤونه، وهذا هو القانون القاسي الذي يحكم المنطقة اليوم.