مع تزايد الحديث عن الروبوتات واستيلائها على الوظائف، أظهرت دراسة حديثة من شركة “أكسفورد إيكونوميكس” رؤية مختلفة عن هذه الفكرة السائدة، حيث شككت في الرواية الشائعة التي تربط الذكاء الاصطناعي بزيادة البطالة بشكل كبير في الوقت الحالي.

حسب تحليل الشركة، لا توجد دلائل قوية تشير إلى أن الشركات تستبدل العمالة البشرية بالذكاء الاصطناعي بشكل واسع، بل تظن الشركة أن بعض المؤسسات تستخدم هذه الفكرة كذريعة لتبرير تقليص عدد الموظفين، وهو غالبًا ما يكون نتيجة لقرارات إدارية خاطئة، مثل زيادة عدد الموظفين بشكل غير مبرر أو سوء تقدير الطلب.

في تقريرها الصادر في 7 يناير، أوضحت “أكسفورد إيكونوميكس” أن الأدلة المتاحة حول فقدان الوظائف بسبب الذكاء الاصطناعي غالبًا ما تكون حالات فردية، ولا تدل على تحول كبير في سوق العمل. كما أن البيانات الاقتصادية العامة لا تدعم فرضية أن “الأتمتة” أحدثت تغييرًا جذريًا في أنماط التوظيف.

التقرير يشير إلى أن ما يحدث هو إعادة صياغة للواقع المؤسسي، حيث يتم تقديم عمليات التسريح على أنها “تحول تكنولوجي إيجابي”، بدلاً من الاعتراف بالأسباب التقليدية مثل ضعف الطلب أو الأخطاء الاستثمارية. وبهذا الشكل، تتحول الأخبار السلبية إلى قصة عن التحديث والابتكار.

يرى التقرير أن السبب وراء هذه اللغة الجديدة هو محاولة طمأنة المستثمرين، فربط خفض الوظائف بتبني الذكاء الاصطناعي يعطي انطباعًا أكثر إيجابية للأسواق مقارنة بالاعتراف بضعف الأداء أو الأخطاء الإدارية. من خلال هذه الطريقة، تسعى الشركات لتظهر بمظهر الرائدة في المستقبل، بدلًا من أن تكون مؤسسة تعاني من الركود.

بيتر كابيلي، أستاذ الإدارة في كلية وارتون، قال في مقابلة مع مجلة “فورتشن” إن الأسواق المالية عادة ما ترحب بأخبار خفض التكاليف، بما في ذلك تسريح العمال، مما شجع بعض الشركات في السابق على الإعلان عن تسريحات لم تتم فعليًا. وقد فقدت هذه الاستراتيجية فعاليتها بعد أن أدرك المستثمرون أن بعض هذه الإعلانات كانت مجرد مضاربات خطابية.

عند الحديث عن الربط بين الذكاء الاصطناعي وفقدان الوظائف، دعا كابيلي إلى قراءة ما وراء العناوين، موضحًا أن الكثير من الشركات تعني عمليًا: “نتوقع أن يغطي الذكاء الاصطناعي هذا العمل”، وليس أنه حلّ محله بالفعل. والهدف هو قول ما يعتقد المديرون أن المستثمرين يرغبون في سماعه.

فجوة

تقرير “أكسفورد إيكونوميكس” سلط الضوء على بيانات شركة “تشالنجر، جراي آند كريسماس” التي تتابع تسريحات العمالة، لتوضيح الفجوة بين الخطاب الإعلامي والواقع الإحصائي. في الأشهر الـ11 الأولى من عام 2025، تم الإبلاغ عن حوالي 55 ألف وظيفة ملغاة في الولايات المتحدة بسبب الذكاء الاصطناعي، وهو ما يمثل أكثر من 75% من إجمالي التخفيضات المرتبطة بهذه التكنولوجيا منذ عام 2023.

لكن هذه الأرقام تشكل فقط 4.5% من إجمالي الوظائف المفقودة خلال نفس الفترة. بالمقارنة، بلغت خسائر الوظائف المنسوبة إلى الظروف الاقتصادية التقليدية نحو 245 ألف وظيفة، أي أربعة أضعاف الرقم المرتبط بالذكاء الاصطناعي.

وعند النظر إلى الأرقام في سياق أوسع، حيث يفقد الاقتصاد الأميركي ما بين 1.5 و1.8 مليون وظيفة شهريًا، تبدو الخسائر المرتبطة بالذكاء الاصطناعي محدودة نسبيًا، وبعيدة عن سيناريو “الاجتياح الآلي” الذي تروج له بعض العناوين.

الغائب الأكبر

يطرح تقرير “أكسفورد” معيارًا مهمًا للحكم على تأثير الذكاء الاصطناعي، وهو الإنتاجية. إذا كانت الآلات تحل محل البشر بشكل فعلي، كان يجب أن يشهد ناتج العامل المتبقي قفزات ملحوظة، لكن البيانات تشير إلى العكس.

التقرير يوضح: “إذا كان الذكاء الاصطناعي يستبدل العمالة البشرية، لكان نمو الإنتاجية يتسارع، وهذا لا يحدث حاليًا”. بل يُلاحظ تباطؤ في نمو الإنتاجية مؤخرًا، وهو نمط يتماشى مع دورات اقتصادية تقليدية أكثر من كونه نتيجة لتقنية جديدة.

ورغم أن التقرير يقر بأن مكاسب الإنتاجية من التقنيات الكبرى غالبًا ما تتأخر لسنوات، إلا أن الوضع الحالي يشير إلى أن استخدام الذكاء الاصطناعي لا يزال في مرحلة التجريب، ولم يتحول بعد إلى بديل شائع للعمالة البشرية.

مفارقة قديمة

تتوافق هذه الخلاصة مع ما ذكرته ديان سوانك، كبيرة الاقتصاديين في “كي بي إم جي”، حيث أكدت أن سوق العمل الأميركي يتحول من حالة “توظيف منخفض وتسريح منخفض” إلى “التوسع بلا وظائف”، مما يعني نمو اقتصادي بدون خلق وظائف جديدة.

كما تتماشى هذه الرؤية مع تصريحات سافيتا سوبرامانيان، رئيسة استراتيجية الأسهم الأميركية في “بنك أوف أمريكا”، التي أشارت إلى أن الشركات في هذا العقد تستبدل الأشخاص بالعمليات بشكل عام، وليس فقط بالذكاء الاصطناعي. في الوقت نفسه، أكدت أن مقاييس الإنتاجية لم تتحسن بشكل ملحوظ منذ بداية الألفية، مستحضرة “مفارقة الإنتاجية” الشهيرة للاقتصادي روبرت سولو: “يمكنك رؤية عصر الكمبيوتر في كل مكان، إلا في إحصاءات الإنتاجية”.

ما تكشفه هذه المعطيات هو أن الذكاء الاصطناعي، حتى الآن، يبدو أقرب إلى حجة في بيانات الشركات بدلاً من كونه محركًا فعليًا للبطالة الجماعية، في حين يواصل الإعلام تضخيم تأثيره في سوق العمل بينما تبقى الأرقام أكثر تواضعًا.