لعل ما يجري في جنوب اليمن يعكس دور إسرائيل الغائب الحاضر، خاصة بعد سيطرة قوات “درع الوطن” التابعة للحكومة الشرعية على المناطق الجنوبية وسقوط مشروع المجلس الانتقالي برئاسة عيدروس الزبيدي. في الثاني من يناير، أعلن الزبيدي عن بدء ترتيبات الانفصال الفعلي لجنوب اليمن، لكن الحديث عن هذا الموضوع كان قد بدأ في الإعلام الإسرائيلي قبل ذلك بخمسة أيام، وذلك بعد اعتراف إسرائيل بـ”إقليم أرض الصومال” في 26 ديسمبر.
في 28 ديسمبر، نشرت صحيفة “معاريف” الإسرائيلية تقريرًا يشير إلى اهتمام إسرائيل بالاعتراف بأي دولة تُعلن في جنوب اليمن، وأوضحت قناة “كان 11” أن هناك محادثات حول الاعتراف الإسرائيلي بهذا الكيان، ما يعني أن إسرائيل كانت تنتظر اللحظة المناسبة للإعلان عن ذلك. الزبيدي، من جانبه، حاول تعزيز العلاقات مع إسرائيل، حيث صرح في مايو الماضي بأن إعلان دولة مستقلة في الجنوب سيفتح المجال لعلاقات رسمية مع إسرائيل.
تزامن ذلك مع الصدامات بين المجلس الانتقالي والقوات الحكومية المدعومة من التحالف السعودي، وكان لهذا الدعم أثر معنوي كبير على المجلس الانتقالي. الإعلام الإسرائيلي كان متحمسًا لتغطية إعلان الزبيدي حول تنظيم استفتاء لاستقلال الجنوب. لكن الموقف الإسرائيلي من اليمن لا يمكن فصله عن اعترافها بـ”إقليم أرض الصومال”، حيث كان الهدف هو محاصرة الحوثيين من الشرق بعد محاصرتهم من الغرب.
لذا، فإن تحركات إسرائيل كانت تهدف إلى السيطرة على منطقة مضيق باب المندب، مما يضمن لها حرية الملاحة في البحر الأحمر، ويقلص النفوذ التركي الذي أصبح يشكل قلقًا لإسرائيل بعد أن وسعت تركيا علاقاتها مع دول مثل السودان والصومال. كما أن إسرائيل كانت تسعى للضغط على السعودية، التي تأمل في إقامة علاقات طبيعية معها، لكن هذه العلاقات مرتبطة بشروط تتعلق بالقضية الفلسطينية.
إسرائيل كانت تأمل في تحقيق عدة أهداف من خلال تعزيز وجودها في المنطقة، لكن سقوط عيدروس الزبيدي ومشروعه للانفصال كان بمثابة ضربة لها. السعودية بدورها أدركت خطورة الموقف، وبدأت في تعزيز دعم الحكومة الشرعية لمواجهة المجلس الانتقالي.
الإعلام الإسرائيلي ركز على التحركات العسكرية السعودية، مشيرًا إلى أهمية الاستفتاء الذي أعلنه المجلس الانتقالي، لكن إحباط الإسرائيليين كان واضحًا بعد سيطرة قوات “درع الوطن” على محافظتي المهرة وحضرموت. إسرائيل ترى في حرب جنوب اليمن حربها الخاصة، حيث أن الوضع البحري الإسرائيلي أصبح هشًا بعد الأحداث الأخيرة.
السؤال الذي يطرح نفسه هو: لماذا كان الزبيدي ومجلسه يعولان على الدعم الإسرائيلي؟ من الواضح أن التعويل على إسرائيل لم يكن مفيدًا، كما حدث مع عبدالرحمن عرو رئيس كيان “أرض الصومال”، الذي لم يستطع جذب أي اعتراف دولي رغم اعتراف إسرائيل به. حتى الولايات المتحدة، الحليف الأقوى لإسرائيل، لم تعترف بهذا الكيان.
الاعتراف الإسرائيلي كان له تأثير سلبي على “أرض الصومال”، ومن المحتمل أن يحدث الشيء نفسه لو تم إعلان كيان جنوب اليمن. يبدو أن الزبيدي لم يفهم التحولات الإقليمية والدولية الأخيرة. في النهاية، كانت الخسارة التي تعرض لها الزبيدي ليست ضربة له فقط، بل كانت أيضًا خسارة لإسرائيل، التي تسعى دائمًا لتفتيت العالم العربي. أي تحرك يحقق مصلحة إسرائيل يجب أن يُفهم على أنه ليس في صالح المنطقة، وأي خسارة تواجهها إسرائيل هي في مصلحة الجميع.

