في ظل التوترات المتزايدة في المنطقة وتداخل الأزمات، أصبحت القاهرة مؤخرًا لاعبًا رئيسيًا في جهود خفض التصعيد بين الدول العربية، مع التركيز بشكل خاص على الملف اليمني الذي يعتبر من أخطر نقاط الضعف في المنطقة، خاصة بعد الخلافات الأخيرة بين السعودية والإمارات.
تحركات مصر الأخيرة شملت اتصالات مكثفة مع كل من السعودية والإمارات، بهدف احتواء الخلافات الناجمة عن الوضع في اليمن، حيث تخشى القاهرة من أن يتحول الأمر إلى صراع مفتوح يؤثر سلبًا على الأمن العربي وأمن البحر الأحمر. زيارة وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان إلى القاهرة، بالإضافة إلى الاتصال الهاتفي بين وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي ونظيره الإماراتي، تعكس جهود مصر للحفاظ على تفاهمات عربية مشتركة تم تشكيلها على مدار السنوات الماضية.
بحسب مصادر مطلعة، تعمل مصر على تحقيق توازن بين دعم الجهود السعودية للحوار السياسي اليمني، وتأييد المساعي الإماراتية للانسحاب الكامل من اليمن، بما يقلل من الاحتكاكات. القاهرة ترى أن هذا الدور لا يعني الانحياز لطرف على حساب الآخر، بل يهدف إلى منع تفكك الدولة اليمنية وفتح جبهة صراع جديدة في منطقة حساسة.
تواصلت الاتصالات المصرية مع السعودية والإمارات منذ بدء الأزمة قبل أسبوع، حيث تسعى مصر لإيجاد نقاط التقاء مشتركة لتجاوز التصعيد، وتؤكد على موقفها الرافض لتقسيم الدول العربية إلى دويلات، مدركة أن أي صراع علني بين الدولتين قد يصب في صالح مشاريع تهدف إلى الانقسام، مما يشكل تهديدًا مباشرًا للأمن القومي المصري.
القاهرة سارعت إلى دعم الموقف السعودي الخاص بعقد حوار سياسي بين المكونات الجنوبية في اليمن، ورحبت أيضًا بانسحاب القوات الإماراتية المتبقية، مع الحفاظ على اتصالاتها مع مختلف الأطراف العربية والإسلامية التي يمكن أن تلعب أدوارًا وسيطة.
تسعى مصر إلى تجنب ظهور أي بؤرة جديدة للصراع في اليمن، خاصة على ساحل البحر الأحمر، حيث يمكن أن تؤثر على تحركات مشابهة في إقليم أرض الصومال أو في السودان، مع الحرص على وجود قوى للجيش السوداني شرقًا على ساحل البحر الأحمر.
مصر تؤمن بأن التطورات في دول البحر الأحمر تتطلب تقاربًا بين الدول العربية، مع التركيز على السعودية والإمارات، حيث تتطلب التحديات الحالية تكاتفًا سياسيًا يضمن الاستقرار. القاهرة تدرك أن الانحياز الكامل لطرف قد يقيد تحركاتها، لذا تسعى لتوسيع دائرة اتصالاتها مع دول أخرى مثل تركيا وسلطنة عمان وكويت وباكستان.
تسعى مصر من خلال هذه الاتصالات إلى منع اشتعال حرب داخلية أخرى في اليمن، خاصة في ظل الانقسام العميق في الجنوب اليمني، مما قد يزيد من الاضطرابات في منطقة مهمة عند مدخل البحر الأحمر، وهو ما يرتبط بمصلحة مصر في تأمين الملاحة في قناة السويس.
الموقف المصري معقد، حيث ترفض تقسيم الدول العربية، لكن في الوقت نفسه تدعم التحالف العربي ضد الحوثيين، مع إدراكها أن المسؤولية الكبرى تقع على الاحتلال الإسرائيلي الذي يرفض الحلول السلمية. اشتعال الأوضاع في اليمن قد يزيد من أعداد اللاجئين، مما يمثل عبئًا إضافيًا على مصر.
مصر تسعى لتشكيل تحالف مع السعودية ودول عربية وإسلامية أخرى ضد الانفصال، لكن في نفس الوقت لا ترغب في خسارة الإمارات، التي لها استثمارات كبيرة في مصر. لذا، يمكن لمصر أن تسعى لتشكيل تكتل عربي إسلامي يجمع بين السعودية والإمارات، مع الحرص على عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول المجاورة.
تسعى القاهرة لضمان أمن واستقرار المنطقة، دون الدخول في تفاصيل قد تغير الجغرافيا السياسية لصالح إسرائيل. في الوقت نفسه، تواجه ضغوطًا من كل من السعودية والإمارات، لكن مصر تحاول الحفاظ على موقف وسط، مع التركيز على ثوابت مثل وحدة الدول ورفض الانفصال.
المباحثات بين وزير الخارجية المصري ونظرائه من دول أخرى تناولت التطورات في غزة والجهود المصرية لتحقيق وقف إطلاق النار، مع التأكيد على أهمية الحوار الوطني اليمني كوسيلة لتسوية الأزمة بشكل شامل.

