لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد فكرة مستقبلية في مجال العمل الدبلوماسي والعلاقات الدولية، بل أصبح جزءًا أساسيًا من الممارسات اليومية، حيث يتم استخدامه في تحليل المعلومات، كتابة التقارير، وصياغة التصريحات، بالإضافة إلى توقع السيناريوهات وترجمة الوثائق. ومع ذلك، ظهر مفهوم جديد يثير قلق الباحثين وهو ما يُعرف بـ “ظل الذكاء الاصطناعي”، والذي يشير إلى الاستخدام غير المنظم لهذه الأدوات في المؤسسات دون الإبلاغ عنها أو اتباع القوانين المعمول بها.
هذا الاستخدام غير المنظم لا يظهر بشكل واضح، بل يحدث في الخلفية، مما يؤثر بشكل غير مباشر على اتخاذ القرار. قد يبدو القرار النهائي كأنه تم اتخاذه من قبل البشر بالكامل، بينما قد يكون جزء منه قد تم تشكيله من خلال هذا “الظل” التكنولوجي غير المرئي.
تتفاقم هذه المشكلة في العمل الدبلوماسي بسبب ضغوط الوقت ومتطلبات الإنجاز، حيث يمكن أن يجد الموظف الدبلوماسي نفسه مضغوطًا لإنجاز تقرير عاجل أو تحليل موقف معقد في فترة قصيرة. في هذه الحالات، تصبح أدوات الذكاء الاصطناعي خيارًا سريعًا وجذابًا، حتى وإن لم تكن معتمدة رسميًا. وغالبًا ما يكون الدافع وراء هذا الاستخدام هو الرغبة في تحقيق الكفاءة، لكن هذا قد يؤدي إلى مخاطر غير محسوبة، خاصةً إذا تم إدخال وثائق رسمية، مهما كانت سرّيتها، إلى هذه البرامج.
أيضًا، سهولة الوصول إلى أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي تشجع على استخدامها بشكل فردي، مما يضعف الالتزام بالأنظمة الداخلية، خصوصًا إذا لم تكن هناك سياسات واضحة أو برامج تدريب توضح المخاطر وحدود الاستخدام المقبول.
هناك اعتقاد خاطئ بأن الخوارزميات محايدة، مما يعمق الخطر، حيث ينظر بعض المستخدمين إلى مخرجات الذكاء الاصطناعي على أنها دقيقة وموضوعية، متجاهلين أنها تعتمد على بيانات قد تكون متحيزة أو غير متوافقة مع السياقات السياسية أو الثقافية للدولة المعنية. وهذا قد يؤدي إلى إغفال تفاصيل مهمة في العمل الدبلوماسي.
تظهر المخاطر أيضًا في “اللغة الدبلوماسية”، حيث أن صياغة النصوص ليست مجرد مسألة لغوية، بل هي أداة سياسية هامة. الاعتماد غير الواعي على أدوات الذكاء الاصطناعي في إعداد الوثائق قد ينتج نصوصًا صحيحة من الناحية الشكلية، لكنها قد تفتقر إلى الحس الدبلوماسي أو تحمل معانٍ غير مقصودة.
لكن لا يعني هذا أن نبتعد عن استخدام الذكاء الاصطناعي في العمل الدبلوماسي، بل يجب إدارته بوعي وبإطار قانوني واضح. التحدي الحقيقي لا يكمن في التقنية نفسها، بل في انتشارها داخل “الظل” بعيدًا عن الضوابط. فالدبلوماسية تعتمد على التقدير والخبرة وبناء الثقة، وأي تقنية لا تخضع لرقابة قد تضعف هذه الأسس، ليس لأنها أقوى من الإنسان، ولكن لأنها تعمل في الخفاء دون أن نلاحظ تأثيرها.

