قدّم الرئيس الأميركي دونالد ترمب مجموعة من التبريرات لطموحاته في فنزويلا وجرينلاند ودول أخرى في نصف الكرة الغربي، لكن هناك خيط واحد يجمع بين هذه التحركات، يتمثل في أن هذه المناطق تحتوي على كميات هائلة من المعادن الحيوية الضرورية لتقنيات الذكاء الاصطناعي والدفاع، وهذا يرتبط بمساعي الهيمنة العالمية في المستقبل، كما ذكرت “أكسيوس”.
بعد يومين من الإطاحة برئيس فنزويلا نيكولاس مادورو، بدأ مسؤولون من إدارة ترمب ومحللون ماليون يتحدثون عن الثروة المعدنية الضخمة التي تمتلكها البلاد، بجانب استغلال احتياطيات النفط الهائلة، حيث يشير المسؤولون إلى أن استخراج المعادن النادرة قد يساعد في استقرار الأوضاع المالية لفنزويلا ويقلص من سيطرة الصين على هذه الموارد الثمينة التي تحتاجها صناعة الرقائق.
وزير التجارة هوارد لوتنيك، الذي كان مع ترمب على متن الطائرة الرئاسية، قال للصحافيين: “لديك الفولاذ، لديك المعادن، كل المعادن الحيوية.. لديهم تاريخ عريق في التعدين لكنه صدئ”، وادعى أن ترمب “سيُصلحه ويعيده للحياة من أجل الفنزويليين”
في الوقت نفسه، ستستفيد شركات أميركية من هذه الخطوة، حيث بدأت بالفعل بالتواصل مع إدارة ترمب حول فرص العمل في فنزويلا، بينما كان المحللون الماليون يتحدثون عن احتمالات الاستثمار في قطاع التعدين هناك، وفقاً لـ “أكسيوس”.
أما جرينلاند، فقد أشار ترمب إلى فكرة السيطرة عليها، لكن معظم مستشاريه لا يعتقدون أنه سيتخذ خطوة “متطرفة” مثل الاستيلاء على أراضٍ من دولة حليفة، وهذا قد يؤدي لأزمة داخل حلف شمال الأطلسي “الناتو”، ومع ذلك يستمر ترمب في طرح الفكرة.
تحتوي فنزويلا وجرينلاند على احتياطيات من بعض المعادن الحيوية الأساسية التي تحتاجها الإلكترونيات المتقدمة والبطاريات، مثل الجاليوم والجرمانيوم والإنديوم والتنتالوم والسيليكون، إذ تتميز جرينلاند بمعدن مهم لا تمتلكه فنزويلا وهو البلاديوم، بينما تمتلك فنزويلا كميات أكبر من الكولتان، وهو معدن يُستخدم في الهواتف الذكية وأجهزة الكمبيوتر المحمولة والسيارات الكهربائية.
كذلك تمتلك فنزويلا وجرينلاند الثوريوم، وهو معدن يمكن تحويله إلى يورانيوم-233 واستخدامه كوقود نووي، كما أن البلدين يمتلكان ثروات كبيرة من معادن الطاقة النظيفة مثل الليثيوم والكوبالت والنيكل، وهذه المعادن يمكن أن تساعد في تشغيل مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي.
وفقاً لـ “أكسيوس”، فإن اهتمام الولايات المتحدة بتأمين المعادن الحيوية في فنزويلا وغيرها لا يقتصر على الذكاء الاصطناعي فحسب، بل يمتد أيضاً لتعزيز الهيمنة في مجال التسليح، خاصة في وقت بات فيه الذكاء الاصطناعي جزءاً مهماً من النمو الاقتصادي الأميركي وسوق الأسهم، حيث تعتمد الولايات المتحدة بشكل كبير على الصين للوصول إلى المعادن النادرة، إذ تسيطر بكين على نحو 90% من الإمدادات العالمية، واستغلت الصين هذا الوضع في الحرب التجارية الجارية بتشديد ضوابط تصدير المعادن النادرة.
أحاديث ترمب عن الاستحواذ على جرينلاند، واهتمامه بتطوير حقول النفط والموارد الطبيعية في فنزويلا، أثارت انتقادات واسعة، حيث اعتبرت أن الولايات المتحدة تتصرف بشكل غير قانوني وبعقلية إمبراطورية، لكن ترمب يبدو غير مكترث، إذ تفاخر بما سماه “مبدأ دونرو” للهيمنة على نصف الكرة الغربي، بينما يصوّر مستشاروه التدخل الأميركي على أنه مكسب لفنزويلا.
أحد المستشارين قال إن “أفضل طريقة لاستقرار فنزويلا هي عبر التنمية الاقتصادية، الحكومة الأميركية في وضع استراتيجي يسمح لها بالسعي بنشاط وراء المعادن الحيوية لتعزيز الأمن القومي”، حالياً، تمول إدارة ترمب مشاريع المعادن الحيوية في المناطق عالية المخاطر عبر مكتب رأس المال الاستراتيجي في وزارة الدفاع، وقد ضاعف الكونغرس سقف استثمارات المؤسسة ثلاث مرات ليصل إلى 205 مليارات دولار.
مؤسس شركة TPW للاستشارات، جاي بيلوسكي، أشار إلى أن سعي الولايات المتحدة وراء المعادن الحيوية في أراضٍ أخرى يعكس حاجة الدول والمناطق لامتلاك مصادرها الخاصة من الإمدادات، وهذا يعكس اهتمام الصين بالاستقلال عن المنظومة التكنولوجية الأميركية، والعكس صحيح، في ظل التنافس بين البلدين في سباق الذكاء الاصطناعي.
رئيس استراتيجية الاقتصاد الكلي في Academy Securities، بيتر تشير، أكد أن التدخل الأميركي في فنزويلا قد يكون له تداعيات كبيرة على الحرب التجارية مع الصين، حيث إذا تمكنت الولايات المتحدة من الوصول إلى المعادن النادرة الفنزويلية، فقد تحصل على أفضلية في معركة الرسوم الجمركية، لكن إذا فشلت، قد تستخدم الصين المعادن النادرة كورقة ضغط، مما سيضر بالأسواق والاقتصاد.
ماركو بابيتش من مؤسسة BCA للأبحاث، أشار إلى أن تكرير جميع السلع، باستثناء النفط، يتم في الصين، والمشكلة ليست في توفر المعادن النادرة بل في تكريرها، وهي خبرة تمتلكها الصين، ويتساءل بعض الخبراء: إذا تمكنت الولايات المتحدة من التكرير، هل ستضطر لاحقاً لشحن المنتجات التكنولوجية إلى الصين للتصنيع؟
رغم اهتمام الإدارة بالذكاء الاصطناعي والمعادن النادرة، يبقى ترمب في جوهره “رجل نفط”، ويركز أكثر على تطوير صناعة النفط مقارنة بالمعادن الحيوية، كما قال للصحافيين: “الجميع لديه معادن نادرة، المعادن النادرة ليست نادرة، النادر هو المعالجة، نحن نبني مصانع معالجة في كل مكان”
خلص تقرير “أكسيوس” إلى أن الولايات المتحدة قد تتمكن من الوصول إلى مزيد من المعادن النادرة عبر فنزويلا، لكن إنشاء منظومة التكرير والتصنيع اللازمة للاستفادة منها في قطاع الذكاء الاصطناعي قد يستغرق سنوات.

