إنه السابع من يناير/كانون الثاني 2026، وقد شهد العالم على مدار الثلاث سنوات الماضية حماسًا كبيرًا حول الذكاء الاصطناعي التوليدي، مما جعل الاقتصاد في حالة ترقب دائم، لكن مع نهاية عام 2025، بدأ هذا الحماس يتلاشى ليحل محله شعور بالواقعية بل وحتى التشاؤم، فقد أظهرت الميزانيات العمومية حقائق مختلفة تمامًا عما كانت الشركات التقنية الكبرى تدعيه في كتيباتها.

الحقيقة أن الذكاء الاصطناعي ليس حلاً سحريًا، بل هو أداة مكلفة، وإذا تم استخدامها بشكل خاطئ، يمكن أن تُهدر الموارد أكثر مما تُنتج. بينما تحتفل بعض الشركات، خاصة في مجال الأبحاث الدوائية، بإنجازات كبيرة، فإن الكثير منها يواجه ارتفاعًا كبيرًا في تكاليف البنية التحتية، بالإضافة إلى خيبة أمل العملاء وتراجع الإنتاجية، وقد عادت “مفارقة الإنتاجية” لتظهر بوضوح، كما يتضح من الانتكاسات التي شهدتها شركات مثل “كلارنا”.

التقرير التالي يتناول الأسباب التي أدت إلى تلاشي الوعد التكنولوجي، ويبرز الفجوة الكبيرة بين الاستثمارات والعوائد، كما يوضح القيود المادية التي تفرضها ندرة الطاقة والرقائق الإلكترونية، ويشير إلى ضرورة الاستعداد لتصحيح حاد في السوق في عام 2026، ويشرح كيف يتلاشى “وهم الذكاء الاصطناعي الكبير” ولماذا قد يكون هذا في مصلحة تطوير هذه التقنية على المدى الطويل.

في عام 2025، شهد الاقتصاد العالمي فترة صعبة، حيث تلاشى الحماس الأولي للذكاء الاصطناعي، وبرز واقع اقتصادي يتسم بجمود الأرباح وعقبات تكنولوجية، فبعد ثلاث سنوات من إطلاق نماذج لغوية كانت تُعد بمثابة بداية جديدة، اتضح أن هناك فجوة كبيرة بين وعود التسويق وقيمة التشغيل الفعلية داخل الشركات. هذا التباين دفع العديد من الشركات لإعادة تقييم استراتيجياتها الاستثمارية، خاصة مع تزايد الضغط على الربحية وانتهاء عصر التجارب غير المحدودة.

تشير التحليلات إلى أننا لا نشهد فقط انكماشًا اقتصاديًا، بل تصحيحًا هيكليًا لسوق متضخمة، حيث تواجه الشركات التي كانت تأمل في تحقيق أرباح ضخمة من أدوات الذكاء الاصطناعي فوضى من التوقعات المبالغ فيها، مما جعل الواقع أكثر قسوة، حيث لم يعد بإمكان المؤسسات أن ترى الذكاء الاصطناعي كحل سحري، بل كأداة تتطلب استثمارات ضخمة وتحولات جذرية في عملياتها.

تظهر البيانات الإحصائية أن الكثير من الشركات لم تتمكن من تحسين هوامش أرباحها باستخدام الذكاء الاصطناعي، فبحسب استطلاعات مؤسسة فورستر، لم تحقق سوى 15% من الشركات أي تحسين ملموس، وهو رقم بعيد جدًا عن التوقعات الأولية التي كانت تشير إلى ثورة في الكفاءة. وبحسب مجموعة بوسطن الاستشارية، فإن 5% فقط من الشركات استطاعت تحقيق فوائد ملموسة من هذه التقنية.

بالنسبة للكثير من الشركات، لا يزال الذكاء الاصطناعي تجربة مكلفة، فتكاليف الاستثمار في البنية التحتية والموظفين المتخصصين عادة ما تُبدد المكاسب الضئيلة، مما قد يؤدي إلى تعليق ربع الاستثمارات المخطط لها بحلول عام 2026. هذا التراجع ليس مجرد اتجاه عابر، بل هو اعتراف بأن الطرق السابقة غالبًا ما فشلت بسبب صعوبة التكيف مع التغييرات.

في سياق الذكاء الاصطناعي، يُظهر تكرار “مفارقة سولو” أن التكنولوجيا التي يُفترض أن تعزز الكفاءة لم تُترجم إلى نمو في الإنتاجية، فبينما يتزايد انتشار الذكاء الاصطناعي، لا ينعكس ذلك على مؤشرات الاقتصاد الكلي. تفسر نظرية منحنى J هذا الوضع، حيث تُظهر أن الابتكارات قد تؤدي في البداية إلى انخفاض في الإنتاجية بسبب الحاجة إلى استثمارات كبيرة في رأس المال غير الملموس.

تتطلب هذه الاستثمارات، مثل تنظيف البيانات وإعادة النظر في سير العمل، وقتًا وجهدًا، مما قد يُسجل كتكاليف بدلاً من إضافة قيمة، مما يُشوه الصورة. ومع ذلك، فإن التركيز على تحسين كفاءة مهمة واحدة قد لا يُحسن الناتج الإجمالي إذا لم تُصلح العمليات الأخرى.

لطالما كانت خدمة العملاء من الوعود الكبرى للذكاء الاصطناعي، حيث كان يُعتقد أن روبوتات الدردشة ستحل محل الموظفين، لكن عام 2025 شهد تحولًا، حيث اضطرت شركة “كلارنا” إلى إعادة توظيف الموظفين بعد تراجع جودة الخدمة. في حين أن الأنظمة الآلية قد تعالج الاستفسارات البسيطة، إلا أنها تفشل في التعامل مع المشكلات المعقدة، مما يجعل العملاء يشعرون بالإحباط.

تظهر البيانات أن الكثير من العملاء يفضلون التفاعل مع شخص حقيقي عند الحاجة، مما يدفع الشركات إلى البحث عن نماذج هجينة حيث يتولى الذكاء الاصطناعي المهام الروتينية، بينما يتواجد الخبراء البشريون لحل المشكلات الأكثر تعقيدًا.