تواجه نقابة المهن الموسيقية أزمات متكررة جعلت أجواءها تبدو كأنها مشغولة بالتحقيقات أكثر من أي شيء آخر، حيث لم يعد الحديث يدور حول الحفلات والمهرجانات بل انتقلت النقاشات إلى أخبار التحقيقات والبلاغات المتبادلة، مما يثير تساؤلات حول مستقبل النقابة في ظل الانقسامات الكبيرة داخل مجلس إدارتها برئاسة مصطفى كامل، وهو ما يعتبر أمرًا غير معتاد في تاريخ النقابة.
بدأت الأزمة عندما قرر مصطفى كامل تبني سياسة “تطهير البيت من الداخل” التي اعتبرها أنصاره ضرورية لإصلاح الأمور، بينما اعتبرها المعارضون قمعًا تجاوز الحدود ليشمل شخصيات بارزة في النقابة، مما أثار صدمة لدى العديد من الأعضاء.
لم يتوقف الأمر عند الاختلاف في الآراء، بل تم إحالة حلمي عبد الباقي، وكيل أول النقابة، للتحقيق وهو ما كان له وقع كبير في الوسط الفني، خصوصًا أن العلاقة بينه وبين النقيب كانت قوية لسنوات طويلة، حيث كان دائمًا داعمًا له في معاركه الانتخابية والإدارية.
وعند النظر إلى تفاصيل الأزمة، يتضح أن إحالة عبد الباقي لم تكن مجرد إجراء إداري، بل تعكس صراعًا عميقًا داخل المجلس، خصوصًا بعد إحالة السكرتير العام، أحمد أبو المجد، أيضًا للمساءلة، وتدور هذه المعركة حول اتهامات بمخالفات إدارية، بينما يدافع عبد الباقي عن نفسه بشدة، مؤكدًا أن تاريخه النقابي والفني لا يحمل أي شبهة، واصفًا ما يحدث بمحاولة لتقليل دوره أو تصفية حسابات، مما دفعه للجوء للقضاء الإداري للطعن على تلك القرارات، مما حول الصراع من النقابة إلى المحاكم.
مع ظهور أزمة وكيل النقابة، اندلعت أزمة جديدة مع صدور قرار شطب الدكتور عاطف إمام، عضو مجلس الإدارة السابق وعميد معهد الموسيقى العربية الأسبق، حيث اعتبر الكثيرون أن هذا القرار يمثل نقطة تحول في كيفية التعامل مع المعارضين داخل النقابة، فالأمر لم يعد مجرد إيقاف مؤقت بل إنهاء مسيرة شخص قدم أكثر من ثلاثين عامًا في خدمة الأعضاء.
الأزمة المعروفة إعلاميًا باسم “فساد الخدمات” أثارت جدلًا واسعًا، حيث استند القرار إلى وجود مخالفات في ملف الخدمات الصحية والاجتماعية، بينما خرج الدكتور عاطف إمام مدعومًا بتصريحات من حلمي عبد الباقي ليؤكدا أن التهم الموجهة “هزيلة” ولا تستحق الشطب، مشيرين إلى أن هناك أبعادًا أخرى للصراع تتعلق برفض سياسات التفرد بالقرار داخل المجلس.
على جانب آخر، لا يزال الخوف من الإيقاف يسيطر على المطربين، خاصةً المنتمين لتيار المؤديين الشعبيين ومطربي المهرجانات، حيث اتخذت النقابة قرارات صارمة بمنع التعامل مع عدد من الأسماء، كان آخرهم إسلام كابونجا الذي صدر بحقه قرار إيقاف ومنع من الغناء لمدة ستة أشهر، مع التهديد بالشطب النهائي في حال تكرار المخالفة.
بررت النقابة هذه القرارات بالحفاظ على الذوق العام ومحاربة الكلمات الهابطة، لكن هذا جعلها في مواجهة مع جزء من الجمهور الذي يرى أن هذه الوصاية غير مبررة، خاصة في ظل أزمات أخرى مثل أزمة المطرب “مسلم” الذي أدلى بتصريحات درامية حول حالته الصحية والنفسية نتيجة توقف نشاطه الفني.
اليوم، أصبحت أزمة نقابة المهن الموسيقية أكبر من مجرد خلافات إدارية أو مالية، بل هي أزمة هوية وإدارة، حيث يجد النقيب مصطفى كامل نفسه في مواجهة أقرب حلفائه، مما أدى إلى حالة من الشلل الوظيفي في بعض الملفات نتيجة انشغال المجلس بالتحقيقات المتبادلة.
ازداد الصراع بعد فشل محاولات “الحكماء” للتدخل والصلح بين الأطراف المتنازعة، حيث قوبل الوسطاء برفض قاطع من جميع الأطراف، مما ينذر بأن الفترة المقبلة قد تشهد المزيد من التصعيد في القرارات.

