أعتقد أن القضية الجنوبية تحمل في طياتها أبعاداً تاريخية وسياسية واجتماعية معقدة، مما يثير تساؤلات مهمة عن كيفية التمثيل وحدود المشروعية وإمكانية استعادة الماضي في ظل التغيرات الحالية، فبين الدعوات التي تستحضر نماذج سياسية سابقة ومحاولات فرض تمثيل أحادي للجنوب، يتضح لنا الحاجة لقراءة نقدية تميز بين عدالة القضية كحق جماعي مشروع، والسلوكيات السياسية التي قد تفرغ هذا الحق من مضمونه.
من هنا، أود أن أتناول موضوع احتكار التمثيل والتنبيه إلى مخاطر إعادة إنتاج الإقصاء باسم قضية يفترض أنها قامت أصلاً على رفضه.
دعوني أتحدث مباشرة: هل يمكن إعادة عجلة التاريخ إلى الوراء؟ هناك من يعتقد أن التاريخ يمكن أن يعود لنقطة سابقة، وكأن الزمن يمكن استدعاؤه بإرادة فقط
في جنوب اليمن، يظهر هذا الوهم بوضوح ليس منذ الآن بل منذ عدة سنوات، حيث يتم استحضار دولة سابقة، وهي جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، التي اندمجت في 1990 مع شمال اليمن، وكأن الزمن لم يتحرك وكأن التجربة لم تعلمنا شيئاً وكأن المجتمعات لا تتغير.
الإصرار على إعادة التاريخ لا يعكس حنيناً بريئاً بل يكشف عن عجز عن قراءة الحاضر، فالدولة السابقة، بكل ما تحمل من سياقات، لم تعد قابلة للاستنساخ، فالتاريخ لا يعيد نفسه إلا إذا أسيء فهمه، والجنوب اليوم ليس كما كان في الماضي، وشروط السياسة تغيرت.
في هذا السياق، يبدو المجلس الانتقالي الجنوبي وكأنه يسعى لاستعادة نموذج الصوت الواحد، الصوت الذي لا يعلو فوق صوته، وهو نموذج ديكتاتوري يعتمد على احتكار الحقيقة السياسية، مما يشيطن كل من يختلف معه.
لكن هذا المنطق، حتى لو ارتدى شعارات جديدة، يظل محاصراً بذهنيات قديمة أثبتت التجربة استحالة استمرارها في مجتمع متنوع مثل الجنوب، فهل رأيتم ما فعله المجلس الانتقالي كسلطة أمر واقع باستخدام السلاح؟
لا أحد يملك حق احتكار تمثيل الجنوب أو تقرير مصيره بمفرده، فالجنوب ليس تنظيماً أو حزباً، بل هو فضاء تاريخي واجتماعي وسياسي متنوع، وأي محاولة لاختزاله في قيادة واحدة إنما تفقره وتحول غناه إلى أداة إقصاء.
لذا، يجب التمييز بين القضية الجنوبية كقضية شعب وتاريخ وهوية، وبين الكيانات التي تدعي احتكار تمثيلها، فالقضية هي حق جماعي ناتج عن تراكم المظالم والتجارب، وليست ملكية خاصة يمكن التصرف بها.
هذا التمييز يقودنا لفصل آخر: عدالة القضية من جهة، وسلوكيات بعض القيادات من جهة أخرى، فليس كل من يرفع راية قضية عادلة يكون أميناً عليها، فعندما تتحول القضية العادلة إلى وسيلة لمصالح شخصية، فإنها تفقد بعدها الأخلاقي
القرارات الفردية التي يتخذها المجلس الانتقالي تعكس هذا الخلل، فهي لا تستند إلى تفويض شعبي ولا تنبثق من توافق جنوبي، ومثل هذه القرارات تبقى هشة لأنها منفصلة عن القاعدة التي يفترض أن تمنحها الشرعية.
فالتمثيل لا يفرض بالقوة بل يكتسب عبر توافق وإجماع حقيقي، وأي محاولة لتجاوز هذا المسار تنتج سلطة مؤقتة، وتخلق واقعاً قابلاً للانفجار عند أول اختبار جدي.
الأخطر من ذلك أن القرارات الأحادية تعمق الانقسام الجنوبي، فهي تضعف القدرة التفاوضية للقضية وتفتح المجال لتدخلات خارجية تستفيد من الانقسام.
يجب أن ندرك أن الجنوب ليس كتلة صماء، بل يضم مكونات متعددة وأحزاباً وشخصيات وطنية لا يمكن إقصاؤها، فإقصاؤها لا يناقض فقط منطق التعدد، بل يعيد إنتاج المركزية التي ثار عليها أبناء الجنوب.
جوهر القضية الجنوبية يقوم على رفض الإقصاء، وأي مشروع سياسي يعيد إنتاج أدوات الإقصاء، حتى لو باسم قضية عادلة، يهدم الأساس الذي يدعي الدفاع عنه.
من هنا، تكتسب الدعوة لمؤتمر جنوبي شامل معناها العميق، فهي تعبير عن نضج تراكمي في الوعي، ومحاولة لحماية القضية من الاختطاف، وإعادة القرار إلى أصحابه الحقيقيين.
استجابة السعودية لعقد هذا المؤتمر تعطيه بعداً إقليمياً، فاستضافة المؤتمر لا توفر مظلة سياسية فحسب، بل تحمي الجنوب من صراعات داخلية، وتدفع نحو حل عادل يدرك أن الأصوات المختلفة أكثر صدقاً من صوت واحد.
على الجنوبيين أن يدركوا أخطار عودة الصوت الواحد الذي لا يعلو فوقه صوت.
في النهاية، صون عدالة القضية الجنوبية لا يتحقق باختزالها في كيان أو قيادة، بل بإعادة الاعتبار لها كقضية شعب متعدد الأصوات، والفصل بين جوهر القضية وسلوك من يتحدث باسمها هو الضمانة لحمايتها من التآكل أو التوظيف الضيق.
أي حل مستدام يمر عبر الاعتراف بالتعدد ورفض منطق الصوت الواحد، وترسيخ الشراكة كأساس لمستقبل الجنوب، دون تكرار أخطاء الماضي.

