ما يحدث الآن في جنوب اليمن ليس وليد اللحظة، بل هو نتاج تراكمات سياسية واحتقان استمر لعقود، بسبب عدم معالجة القضايا الأساسية المتعلقة بالقضية الجنوبية بشكل جذري، مما أدى إلى تعقيد الوضع واهدار فرص عديدة، حتى وصلنا إلى مسار تفاوضي بين السعودية والمجلس الانتقالي الجنوبي، والذي انتهى بالفشل.
خلال الشهر الماضي، حاولت الرياض تهدئة الأوضاع، لكن المجلس الانتقالي كان له موقف صارم، رافضًا أي تراجع، خاصة بعد سيطرته على محافظتين مهمتين، حضرموت والمهرة، مما منحه شعورًا بالقوة دفعه لفرض واقع جديد. تسارعت الأحداث عندما أعلنت السعودية أن الإمارات ضغطت على المجلس للقيام بعمليات عسكرية على الحدود الجنوبية، وهو ما اعتبرته الرياض تهديدًا لأمنها القومي.
الانسحاب الإماراتي من اليمن لا يعني بالضرورة قطع العلاقات، إذ يمكن للإمارات الاستمرار في إدارة الأمور من خلف الكواليس، مما يزيد من خطر تفجر الأوضاع مجددًا. في الوقت نفسه، صعد رئيس مجلس القيادة الرئاسي خطواته بإلغاء اتفاق الدفاع مع الإمارات، مطالبًا بخروج قواتها، وفرض حصار لمدة 72 ساعة، وإعلان حالة الطوارئ.
بدت الإمارات متفاجئة من هذه التطورات، فنفت الاتهامات لكنها أعلنت عن سحب ما تبقى من قواتها لمكافحة الإرهاب. المجلس الانتقالي من جانبه اعتبر الضربات السعودية إعلان حرب، وأعلن عن مرحلة انتقالية تتضمن استفتاء على تقرير المصير خلال عامين، مما زاد من الفوضى في المنطقة.
الخلاف بين الأطراف ليس جديدًا، لكن الانفجار العلني له هو الجديد. فالسعودية كانت تركز على مواجهة الحوثيين في الشمال، بينما كانت الإمارات تسعى لبناء نفوذ المجلس الانتقالي في الجنوب، مما مهد الطريق لإمكانية إعلان دولة مستقلة كما كان الوضع قبل الوحدة في 1990.
الإستراتيجية الإماراتية تعتمد على تأمين النفوذ البحري والمكاسب الاقتصادية، بينما ترى الرياض أن الانفصال الجنوبي يهدد الحكومة المركزية، مما ينعكس سلبًا على أمن حدودها. ومع استمرار الأحداث، أعلنت الإمارات انسحاب قواتها بالكامل، لكن تقييم مدى التزامها بهذا الانسحاب يبقى صعبًا.
المجلس الانتقالي يسعى لمحاصرة الحكومة اليمنية التي تعاني من أزمات متعددة، مستغلًا الانقسامات داخل المجلس الرئاسي، مما دفعه لوضع شروطه في معادلة سياسية جديدة تمهد لمشروع الاستقلال. لكن هذه التصعيدات اصطدمت بحدود سعودية واضحة، خاصة مع دعم الإمارات للمجلس من خلال إرسال المزيد من الأسلحة.
الرياض اعتبرت التدخل الإماراتي تجاوزًا للخطوط الحمراء، مما دفعها لإعطاء الضوء الأخضر لحملة عسكرية لاستعادة المناطق التي حاول المجلس الانتقالي السيطرة عليها. في الساعات الأخيرة، شهدنا تغيرات حادة في موازين السيطرة، حيث اضطر المجلس للانسحاب من عدة مدن رئيسية.
هذا يطرح تساؤلات حول المرحلة المقبلة، هل ستكتفي القوات الحكومية باستعادة حضرموت والمهرة، أم ستسعى للتقدم نحو مناطق أخرى؟ الوضع الحالي يزيد من ضعف المجلس الانتقالي، خاصة مع غياب الدعم الإماراتي، مما يجعله في موقع دفاعي.
طرح المجلس فكرة إجراء استفتاء على الاستقلال، لكن يبدو أن هذا الطرح لا يحظى بقبول حقيقي سواء داخليًا أو إقليميًا أو دوليًا. الحديث عن حوار شمال-جنوب أو دعم دولي لاستفتاء يفتقر إلى مؤشرات عملية، خاصة مع التطورات الأخيرة.
التحالف والحكومة الآن يفرضان معادلة جديدة بقوة، مما يضعف المجلس الانتقالي. رغم أن للقضية الجنوبية جذورًا مشروعة، فإن التصعيد العسكري يزيد من تعقيد الصراع، مما ينعكس سلبًا على النسيج الاجتماعي اليمني.
كما حذر الاتحاد الأوروبي من أن هذه التطورات قد تهدد استقرار الخليج، مع احتمال استفادة الحوثيين من هذا الاضطراب. ومع دخول عام 2026، يجب على المجتمع الدولي الضغط على القوى الإقليمية لتقديم الدعم لمصالح اليمن، وتعزيز مفاوضات سلام حقيقية وشاملة.
دعوة الحكومة لعقد مؤتمر لمعالجة القضية الجنوبية خطوة جيدة، لكنها تحتاج للتوسع لتشمل جميع القوى، حتى يتم التفاوض حول القضايا الوطنية وشكل الدولة، بعيدًا عن التدخلات الخارجية. إذا لم يحدث ذلك، ستستمر الحرب في اليمن، ولن يستفيد منها سوى تجار الحروب.
تجاوز التحديات الحالية وتحقيق السلام المستدام ممكن، لكن يجب أن تسود لغة الحوار، والاستعانة بدبلوماسية تضع اليمنيين في المقدمة.

