غيّر الذكاء الاصطناعي شكل الفضاء الرقمي بشكل كبير خلال السنوات الأخيرة، ومع هذا التغيير، تغيرت طرق التفاعل والتأثير على الإنترنت، ولم يقتصر الأمر على الاستخدامات الاقتصادية فقط، بل استغلت بعض الجماعات المتطرفة هذه التكنولوجيا لأغراض تثير القلق، حيث استخدمت أدوات قادرة على تحليل سلوك الأفراد وإنتاج محتوى جذاب، مما ساعدها في توسيع نطاق تأثيرها في بيئة لا تزال بحاجة إلى تنظيم فعال.
في موضوع التجنيد، ساهمت تقنيات الذكاء الاصطناعي في فهم سلوك الأفراد بشكل أفضل، مما سمح بتوجيه رسائل مخصصة تتناسب مع اهتماماتهم، وهذا الاستخدام المبتكر للتكنولوجيا ساعد الجماعات المتطرفة على تخطي الطرق التقليدية في الدعاية، وفتح أمامها قنوات تأثير أكثر تعقيدًا يصعب تتبعها، مما قلل من الحاجة إلى وجود تنظيم مباشر أو تواصل علني.
ومع ذلك، يثير انتشار أدوات معالجة المعلومات قلقًا بشأن إمكانية استخدامها في إنتاج معرفة تتعلق بالأسلحة أو تطوير وسائل قتالية، ومع تأخر الأطر التنظيمية لمواكبة هذا التطور السريع، أصبح الذكاء الاصطناعي عاملاً يزيد من تعقيد التهديدات المرتبطة بالإرهاب.
تجنيد وأشياء أخرى
يرى مستشار الإعلام الرقمي والذكاء الاصطناعي رامي المليجي أن الجماعات المتطرفة تستفيد من الفجوة الزمنية بين تطوير التقنيات الجديدة وقدرتها على تنظيمها، خلال هذه الفترة، تستغل تلك الجماعات المنصات التي لم تُؤمن بعد بشكل كافٍ، مما يتيح لها استخدام هذه التقنيات في أنشطة إرهابية تمتد لتشمل مجالات أكثر تعقيدًا.
ويشير المليجي إلى أن ثغرات الذكاء الاصطناعي تفتح أمام هذه الجماعات مسارات عدة، تشمل الوصول إلى معلومات تتعلق بأسلحة خطرة، وتنفيذ هجمات إلكترونية، ورصد ثغرات في مواقع حساسة، بالإضافة إلى إعداد خطط للعمليات الإرهابية، ويعتبر أن الأدوات التي تعتمد على بيانات خاصة تشكل تهديدًا أكبر، مما يستدعي فرض قيود صارمة من قبل شركات الذكاء الاصطناعي ورقابة مستمرة.
بينما لا تمنع القيود المفروضة على أدوات الذكاء الاصطناعي إساءة استخدامها بالكامل، حيث تلجأ بعض الجماعات إلى أساليب تحايل، مثل تمرير الطلبات تحت غطاء أبحاث علمية أو عبر مسارات غير مباشرة للوصول إلى معلومات يُفترض أن تكون محجوبة.
كما يميز بين نوعين من أدوات الذكاء الاصطناعي، الأول هو التطبيقات المتاحة للجمهور، والتي تبقى خطورتها محدودة لأنها تعتمد على بيانات عامة، بينما النوع الثاني يتعلق بأدوات يمكن تزويدها بمعلومات متخصصة، مما يزيد من مستوى الخطورة، حيث يمكن تدريبها على بيانات حساسة للإجابة عن استفسارات معقدة.
بين التطويع والتدريب
بحسب تقرير لوكالة “أسوشييتد برس”، حذر متخصصون من تزايد استغلال الجماعات المسلحة لتقنيات الذكاء الاصطناعي في أنشطة تهدد الأمن، مثل نشر المعلومات المضللة، وتجنيد الأفراد، وتنفيذ هجمات إلكترونية، بالإضافة إلى القلق من استخدامها مستقبلاً في تطوير أسلحة بيولوجية وكيماوية.
التقرير يشير إلى أن سهولة استخدام الذكاء الاصطناعي وانخفاض كلفته جعلاه أداة متاحة حتى للجماعات الصغيرة، مما يمكنها من إحداث تأثير واسع يفوق إمكاناتها التقليدية، كما بدأت هذه الجماعات بالفعل تجربة أدوات الذكاء الاصطناعي لإنتاج محتوى مزيف واستغلال خوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي في الدعاية والتجنيد، مما يعد تطورًا مقلقًا.
يذهب الباحث في شؤون الجماعات المتطرفة والإرهاب الدولي منير أديب إلى تحليل أوسع، حيث يؤكد أن التنظيمات المتطرفة تتوسع في استخدام الذكاء الاصطناعي، مشيرًا إلى أن التنظيمات، رغم إعلان سقوط “داعش”، استمرت في تنفيذ عمليات نوعية مستفيدة من التطور التكنولوجي، كما حدث في عملية تدمر في سوريا التي أسفرت عن مقتل ثلاثة أميركيين، مما يدل على استمرار نشاطها.
يربط أديب بين عودة التنظيمات المتطرفة إلى الواجهة، رغم تصاعد أدوات المواجهة الأمنية، واستخدامها المتزايد الذكاء الاصطناعي في عمليات التجنيد والتواصل، مما يسهل استقطاب عناصر جديدة وتنفيذ عمليات إرهابية.
أخطار محتملة
تعمل هذه التنظيمات على تطوير أدواتها باستمرار، في وقت لا تتوافر فيه صورة دقيقة عن حجم المعلومات المطلوبة لإنتاج أسلحة بيولوجية، بينما يشهد العالم طفرة تكنولوجية سريعة دون تطوير آليات موازية لمنع إساءة استخدامها، ويتساءل أديب عن مدى جاهزية الدول المنتجة لهذه التكنولوجيا لاستيعاب أخطار توظيفها من قبل الجماعات المتطرفة.
يشير المتخصص في تكنولوجيا المعلومات وتقنيات الذكاء الاصطناعي محمد الحارثي إلى أن التطور السريع في أدوات الذكاء الاصطناعي عزز قدرتها على تحليل سلوك المستخدمين، وهو ما تستغله الجماعات المتطرفة لرصد الاهتمامات وأنماط التفاعل، مما يسهل استقطاب الأفراد من خلال محتوى موجه بدقة.
ويضيف أن هذه الجماعات تعتمد على حسابات افتراضية لبناء قواعد بيانات عن سلوك المستخدمين، مما يتيح للذكاء الاصطناعي وضع سيناريوهات لإدارة السلوك العام، ويؤكد أن هذه الأدوات تسهل الوصول إلى معلومات تُستخدم في تصنيع الأسلحة دون الحاجة إلى مختصين، مما يمنح الجماعات المتطرفة تفوقًا في فهم الأفراد والتأثير في سلوكهم.
أسلحة متطورة
ويقول الباحث أحمد سلطان إن النماذج الحديثة للذكاء الاصطناعي تمتلك قدرات متطورة يمكن أن تستفيد منها الجماعات الإرهابية، حيث تم رصد استخدامها في أنشطة متعددة تخدم أهدافها، خاصة في المجال الدعائي من خلال إنتاج محتوى مرئي ونصي.
ويضيف سلطان أن استخدام الذكاء الاصطناعي في التجنيد يبقى احتمالًا قائمًا، مشيرًا إلى مشروعات سابقة لتطوير أسلحة مزودة بالذكاء الاصطناعي مثل الطائرات المسيرة، رغم تعطل هذه المشروعات بعد ضرب “داعش”، إلا أن الخطر لا يزال قائمًا، ويشدد على أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يُستخدم في مجالات عدة ذات طابع إرهابي، مما يشكل تهديدات مباشرة.
ويحذر سلطان من أن هذه التطورات تفرض ضغوطًا متزايدة على الجهات المعنية بمراقبة الإرهاب، مشيرًا إلى أن التنظيمات المتطرفة، رغم مواردها المحدودة، تمتلك آفاقًا لتوسيع استخدام الذكاء الاصطناعي، مما ينذر بتصاعد حجم التهديد خلال الفترة المقبلة، مما يستدعي من الوكالات الأمنية تطوير أدواتها لمواجهة هذه الجماعات.


