منذ أن بدأ الطيران المدني في اليمن، أصبح وسيلة أساسية لربط المناطق الجغرافية المختلفة في جنوب الجزيرة العربية بالعالم الخارجي، ومع اتساع البلاد وكثرة مدنها، أصبح الطيران ضرورة للتنمية الاجتماعية والاقتصادية، وأصبح عنصراً مهماً في حركة الأفراد والتواصل بينهم.
تطور هذا القطاع بشكل تدريجي من خلال إنشاء مطارات رئيسية وناقل وطني، وتكامل مع شبكة الطرق الجوية الإقليمية، ورغم ذلك، ظل يعاني من إمكانيات محدودة وموارد شحيحة. قبل الحرب الداخلية، كان هناك تقدم بطيء لكنه مستمر، لكن مع اندلاع الصراع، تراجع القطاع بشكل كبير، حيث أُغلقت مطارات وتضررت البنية التحتية، وتقلص الأسطول، وأصبح المجال الجوي قضية حساسة.
إغلاق مطار صنعاء الدولي كان له تأثير كبير، فهو يعد أكبر مطار في البلاد، وكان الشريان الإنساني لملايين اليمنيين ونافذة البلد على العالم. في هذا السياق، أصبحت إدارة المجال الجوي قضية تتجاوز الحدود اليمنية، إذ تمر عبر أجواء اليمن مسارات جوية دولية تربط الجزيرة العربية بجنوب أفريقيا والبحر الأحمر، وأي خلل في إدارتها قد يمتد أثره إلى المنطقة بأسرها، لذا جاء دور السعودية بشكل مهني واستراتيجي.
منذ عدة سنوات، يتم إدارة المجال الجوي اليمني بدعم فني من المملكة العربية السعودية، وذلك من منطلق مسؤولية سلامة الملاحة الجوية الإقليمية، وهذا الدور لم يكن خياراً بل قراراً اتخذ لمنع الفوضى وتأمين الأجواء، وضمان عدم وجود فراغ تشغيلي. الدعم السعودي لم يقتصر على البنية التحتية بل شمل أيضاً الاستثمار في الكوادر البشرية اليمنية، حيث تم تدريب مجموعة من المراقبين الجويين في أكاديمية الطيران المدني بجدة في عام 2017، وفي عام 2019، تم تدريب أكثر من 76 مراقباً جوياً يمنياً ضمن برامج متقدمة، وذلك بهدف الحفاظ على استمرارية العمل في هذا التخصص الهام.
تأهيل الكفاءات اليمنية أصبح ركيزة أساسية للحفاظ على القدرة التشغيلية، تمهيداً ليوم تستطيع فيه اليمن إدارة مجالها الجوي بكوادرها الوطنية. أما الخطوط الجوية اليمنية، فهي تعكس حال القطاع ككل، حيث تقلص أسطولها إلى 6 طائرات فقط، وتعمل في ظروف صعبة، لكنها تؤدي دوراً يتجاوز قدراتها التجارية.
تأسست الخطوط الجوية اليمنية عام 1949، لكنها انطلقت بشكل حقيقي في عام 1962، وفي بداية الألفية كان عدد موظفيها أكثر من 4,200 موظف، وأساطيلها تضم 22 طائرة. حالياً، لا تقاس أهمية الشركة بشبكة وجهاتها، بل برمزيتها السيادية وبقاء اسم اليمن في خرائط الطيران.
تاريخ الطيران المدني في اليمن يؤكد أن هذا القطاع قادر على النهوض إذا توفرت له بيئة مستقرة ودعم حقيقي، وقد كان ولا يزال الدور السعودي عاملاً أساسياً في تحقيق التوازن، انطلاقاً من حرص ثابت على اليمن كشعب ودولة ومؤسسات. الطيران يحتاج إلى إدارة عقلانية، وهذه هي الخطوة الأولى لاستعادة الإيقاع الطبيعي لبلد عانى كثيراً، لكنه لا يزال يمتلك آفاقاً مفتوحة نحو الاستقرار والنهوض.
إن الدعم السعودي لليمن في مجالات عدة يعد التزاماً أخلاقياً يضع الإنسان اليمني في صدارة الحلول، ويحفظ له حقه في إدارة بلاده، سواء على الأرض أو في السماء، وما حدث خلال السنوات الماضية هو إدارة أزمة بعقلية دولة كبرى، كانت ولا تزال صمام أمان لليمن وللمنطقة بأسرها.

