قالت الدكتورة رشا السلاب، الخبيرة الاقتصادية، إن العالم اليوم يشهد تصاعدًا في الاضطرابات السياسية والأمنية، وهذا يعكس حقيقة مهمة، وهي أن السياسة لم تعد فقط عاملًا خارجيًا يؤثر على الاقتصاد، بل أصبحت من أبرز المحركات المباشرة له. حالة اعتقال رئيس دولة فنزويلا أضافت مزيدًا من عدم اليقين في المشهد العالمي.

وأوضحت السلاب أن الاقتصاد العالمي يعمل في بيئة مترابطة للغاية، وأي صدمة سياسية في دولة مؤثرة أو داخل تكتل دولي كبير تؤثر بسرعة على الأسواق المالية وسلاسل الإمداد، مما يزيد من التحديات أمام الاقتصادات الناشئة، بما فيها الاقتصاد المصري، لكنها قد تفتح أيضًا فرصًا إذا تم التعامل معها بشكل جيد.

كيف تنتقل الصدمة من السياسة إلى الأسواق؟

أشارت إلى أن الأسواق المالية تعتمد على الثقة وتوقعات المستقبل، وعندما تتعرض هذه التوقعات لصدمة بسبب حدث سياسي أو أمني، يتغير سلوك المستثمرين بسرعة نحو تقليل المخاطر. وهذا يتجلى في زيادة الطلب على العملات القوية، مثل الدولار، وارتفاع الإقبال على الذهب كملاذ آمن، بالإضافة إلى تراجع مؤقت في أسواق الأسهم وارتفاع تكاليف التأمين والشحن والطاقة، مما يبدأ التأثيرات غير المباشرة على الدول المستوردة والدول ذات الاحتياجات التمويلية العالية.

التأثيرات على الاقتصاد المصري

أولًا، بالنسبة لسعر الدولار وسوق الصرف، يزداد الضغط على عملات الدول الناشئة في أوقات التوتر العالمي نتيجة قوة الدولار. وفي الحالة المصرية، يتضاعف التأثير بسبب حساسية السوق للتوقعات النفسية. لكن تنوع مصادر النقد الأجنبي والدور الاستراتيجي لقناة السويس، بالإضافة إلى الاتفاقيات التمويلية الدولية، تمثل عوامل توازن تحد من الصدمات الحادة، رغم أنها لا تلغي التأثر بالكامل.

ثانيًا، الذهب يعتبر المستفيد الأكبر من الاضطرابات السياسية، حيث ينعكس أي تصعيد أو غموض سياسي على أسعاره. في السوق المصري، يتأثر الذهب بعاملين رئيسيين، هما السعر العالمي وسعر الصرف المحلي، مما يجعله أداة تحوط أكثر من كونه وسيلة مضاربة.

ثالثًا، تتفاعل البورصة المصرية مع الأحداث السياسية العالمية على مرحلتين، الأولى قصيرة الأجل، حيث تتسم بالحذر وتراجع شهية المخاطرة، والثانية متوسطة الأجل، حيث يبدأ المستثمرون في إعادة تقييم الأصول وظهور فرص استثمارية حقيقية، وغالبًا ما تكون القطاعات الدفاعية مثل الغذاء والطاقة أكثر صمودًا مقارنة بالقطاعات المعتمدة على الاستيراد.

رابعًا، الاضطرابات السياسية تؤدي إلى ارتفاع تكاليف الشحن والطاقة واضطراب سلاسل الإمداد، مما ينعكس على أسعار السلع الأساسية ويزيد الضغوط التضخمية، خاصة في الدول المستوردة، وهذا يشكل تحديًا إضافيًا أمام السياسات النقدية والمالية في الحفاظ على التوازن بين استقرار الأسعار والنمو.

ماذا عن تكتل البريكس وأين نحن؟

أضافت السلاب أن الأزمات السياسية العالمية تعزز الدعوات لتقليل الاعتماد على الدولار، وهذا يتماشى نظريًا مع مصالح تكتل البريكس، خاصة فيما يتعلق بالتجارة بالعملات المحلية. لكن التباين السياسي والاقتصادي بين دول التكتل يمثل تحديًا حقيقيًا لتحقيق هذه الأهداف، مما يجعل الأمر مسألة طويلة الأمد وليست حلاً فوريًا.

التأثيرات السلبية والإيجابية

ذكرت أن التأثيرات السلبية تتمثل في ارتفاع حالة عدم اليقين، وضغوط على أسعار الصرف، وزيادة تكاليف المعيشة، وتراجع الاستثمارات قصيرة الأجل. بينما التأثيرات الإيجابية قد تظهر في إعادة توجيه الاستثمارات نحو القطاعات الإنتاجية، وتعزيز دور الذهب كأداة تحوط، وخلق فرص استثمارية في فترات التراجع، بالإضافة إلى دفع الدول نحو توطين الصناعة وتقليل الاعتماد على الخارج.

توصيات للمستثمر والمواطن

نصحت السلاب المستثمرين بضرورة التركيز على إدارة المخاطر وتنويع محفظتهم، والاعتماد على الشركات ذات التدفقات النقدية القوية، واستخدام الذهب كوسيلة تحوط لا مضاربة. أما بالنسبة للمواطنين، فإن تجنب سلوك الذعر الاستهلاكي وترشيد الإنفاق والحفاظ على قدر مناسب من السيولة وتوزيع المدخرات بحكمة يعد أمرًا مهمًا.

وأشارت إلى أن العالم يمر بمرحلة إعادة تسعير شاملة للمخاطر، وليست مجرد أزمة عابرة، ورغم تأثر الاقتصاد المصري بالمناخ العالمي، إلا أنه يمتلك مقومات الصمود إذا تم التعامل مع هذه المرحلة بعقلانية ومرونة، وتحويل التحديات إلى فرص للإصلاح والبناء.