حذر خبراء قانون المستهلك من أن زيادة التجارة الإلكترونية والإعلانات الرقمية التي تعتمد على البيانات تؤدي إلى تآكل مفهوم “المستهلك العاقل”، وهو مبدأ قانوني كان يُستخدم لتحديد الممارسات التجارية المخادعة، حسبما ذكرت بلومبرج. المحاكم عادة ما تقيم ما إذا كانت الممارسات التسويقية مضللة من خلال النظر في كيف يمكن أن يتعرض المستهلكون العاقلون للتضليل، لكن النمو في الإعلانات الرقمية على مدى الثلاثين سنة الماضية أدى إلى تفتيت الجمهور وزيادة تخصيص تجارب المستهلكين عبر الإنترنت.
يقول الباحثون إن الشركات أصبحت تستهدف فئات سوقية أصغر، وتستخدم أدوات إعلانية مدعومة بالذكاء الاصطناعي لتعديل البيانات الإعلانية بسرعة، مما يجعل من الصعب على المستهلكين إثبات أنهم تعرضوا للتضليل. لورين ويليس، أستاذة القانون في كلية لويولا، أشارت إلى أن معيار المستهلك العاقل أصبح قديمًا، حيث يمكن تقسيم السوق بطرق تجعل من السهل خداع مجموعات صغيرة بطرق مختلفة.
سيرين كانال أروبا، المديرة في شركة “بيركلي ريسيرش جروب”، قالت إنه في الماضي، عندما كان التركيز على الإعلانات عبر التلفزيون والراديو، كان هناك بيئة معلوماتية مشتركة، حيث كان المستهلكون يتعرضون لرسائل مشابهة، لكننا الآن نعيش في عالم من التسويق المخصص، حيث يحصل كل منا على معلومات مختلفة عبر وسائل التواصل الاجتماعي. هذا يجعل من الصعب تحديد ما يعنيه “العاقل” بناءً على من ومتى.
مع تقسيم السوق إلى قطاعات أصغر وزيادة خصوصيتها، ستحتاج المحاكم إلى بيانات أكثر لتحديد السلوك المخادع، ورغم ذلك، ستستغرق هذه العملية بعض الوقت لفهم كيفية عمل هذا التقسيم. ومع تزايد اعتماد المستهلكين على الملخصات التي ينشئها الذكاء الاصطناعي، قد يصبح التفاعل المباشر مع الإعلانات أقل شيوعًا، مما يطرح سؤالًا مهمًا: هل لا يزال المستهلك العاقل هو من يتخذ القرار؟
مارك بارثولوميو، أستاذ القانون في جامعة بافالو، أشار إلى أن ظهور وكلاء الذكاء الاصطناعي قد يساعد المستهلكين في تجنب بعض الممارسات الإعلانية المخادعة. هذه الأدوات يمكن أن تساعدنا في تجنب الأخطاء المرتبطة بكوننا بشراً وتجنب الانخداع بالعروض الجذابة. وفقًا لبيانات “ستاتيستا”، نحو ربع المستهلكين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و39 عامًا يفضلون استخدام الذكاء الاصطناعي في التسوق.
من المتوقع أن تصل إيرادات التجارة المدعومة بوكلاء الذكاء الاصطناعي إلى تريليون دولار بحلول عام 2030، وشركات مثل “سترايب” و”باي بال” تتعاون مع عمالقة التكنولوجيا لتطوير تجارب تسوق جديدة. كما تقوم شركات التجارة الإلكترونية الكبرى ببناء وكلاء ذكاء اصطناعي خاصين بها لمساعدة المستهلكين في عملية التسوق.
روري فان لو، أستاذ القانون في جامعة بوسطن، ذكر أن المعركة ستدور بين وكلاء الذكاء الاصطناعي والبائعين الذين سيحاولون تقويضهم. الكثير من القوانين الحالية وضعت في زمن كانت فيه التجارة أبسط، لكن وكلاء التسوق بالذكاء الاصطناعي يغيرون العلاقة بين المستهلكين والسوق، وقد يشعر المستهلكون بمزيد من الثقة لأنهم يرون هؤلاء الوكلاء كمساعدين.
بدأت معركة قانونية بالفعل حول أدوات الذكاء الاصطناعي في التجارة الإلكترونية، حيث رفعت “أمازون” دعوى ضد شركة “بربليكسيتي” لوقف وكيل المتصفح الخاص بها من التسوق نيابة عن المستهلكين. هذه الدعوى قد تساعد في تحديد قدرة وكلاء الذكاء الاصطناعي على مساعدة الأشخاص قانونياً في أداء مهام معقدة. ويشير فان لو إلى أن تعقيد أسواق التجارة الإلكترونية يتطلب أن يبدأ قانون المستهلك في العمل بشكل أكثر شمولية، مع الاعتراف بأن الناس يحتاجون إلى مساعدة من أطراف ثالثة.
قالت كانال أروبا إن وكلاء التسوق بالذكاء الاصطناعي قد يغيرون مفهوم المستهلك العاقل، لكن بعض الخبراء لا يعتقدون أن هذه الأدوات ستقضي على التلاعب بالمستهلكين. ويليس اقترحت أن أفضل طريقة للتعامل مع الخداع الرقمي هي اعتبار الإنترنت مكانًا ماديًا، مع إضافة “أكواد” مشابهة لعلامات التوقف على الطرق، مما قد يمنح العملاء شعورًا أكبر بالسيطرة.

