يشهد العالم اليوم تحولات كبيرة في طريقة تفاعلنا مع الإنترنت، حيث تتسارع وتيرة التطورات في مجال الذكاء الاصطناعي، وهذا ما أشار إليه عالم الحاسوب بيدرو دومينغوس عندما قال إن سنة واحدة في الذكاء الاصطناعي تعادل سبع سنوات في عصر الإنترنت. وهذا يظهر بوضوح في الأرقام، إذ استغرق الإنترنت أكثر من 13 عاماً ليصل إلى 800 مليون مستخدم، بينما تمكن “تشات جي بي تي” من الوصول إلى نفس العدد في أقل من ثلاث سنوات.

في ظل هذه التغيرات، يظهر نوع جديد من المتصفحات المعتمدة على الذكاء الاصطناعي، والتي تتجاوز دورها التقليدي في عرض المحتوى، لتبدأ في تنفيذ مهام معقدة بالنيابة عن المستخدم. من بين هذه المتصفحات، نجد “تشات جي بي تي أطلس” من أوبن إيه آي، و”جيميناي” من جوجل، و”كوميت” من بيربلكسيتي، و”إيدج” من مايكروسوفت. هذه المتصفحات تتبنى نهجاً جديداً، حيث تسعى لتقديم خدمات أكثر تفاعلاً وذكاءً.

هذا التحول يحمل دلالات أعمق، حيث يمكن ربطه بمفهوم “التدمير الخلّاق” الذي طرحه الاقتصادي جوزيف شومبيتر، والذي يشير إلى أن الابتكارات لا تكتفي بتحسين الأسواق، بل تعيد تشكيلها بالكامل، مما يجبر الشركات التقليدية على التكيف أو الانسحاب. هذا التحول يذكرنا بتغيرات كبيرة شهدتها صناعة الهواتف الذكية عندما انتقلنا من “بلاك بيري” إلى “الآيفون”، حيث أعيد تعريف مفهوم الهاتف نفسه.

التحركات السريعة من شركات التكنولوجيا الكبرى نحو تطوير متصفحات تعتمد على الذكاء الاصطناعي ليست مجرد منافسة عابرة، بل تعكس أهداف استراتيجية للبقاء والسيطرة في هذا العصر الجديد. هذه الأهداف يمكن تلخيصها في محورين رئيسيين، الأول هو السيطرة على البيانات السلوكية للمستخدمين، حيث يمثل المتصفح التقليدي مصدراً غنياً للبيانات، ويتيح للشركات جمع معلومات دقيقة حول سلوك المستخدمين، مما يسهل تحسين نماذج الذكاء الاصطناعي. الثاني هو زيادة المنافسة، حيث تشير البيانات إلى هيمنة عدد قليل من المتصفحات على السوق، لكن هناك فرص جديدة لمنافسين آخرين يظهرون في هذا السياق.

صعود متصفحات الذكاء الاصطناعي الوكيلة يثير تداعيات كبيرة تتجاوز المنافسة بين الشركات، حيث تعيد تشكيل البنية التحتية للإنترنت والاقتصاد الرقمي. من أبرز هذه التداعيات هو ظهور “اقتصاد صفر النقرات”، حيث يحصل المستخدمون على المعلومات مباشرة دون الحاجة لزيارة المواقع الأصلية، مما يؤثر سلباً على الناشرين الذين يعتمدون على حركة المرور والإعلانات. كما أن هذا التحول يهدد نموذج الإعلانات التقليدي الذي استمر لعقود.

تتزايد المخاوف أيضاً بشأن الخصوصية، إذ إن المتصفحات الوكيلة لا تسجل فقط ما يفعله المستخدم، بل تسجل تفاصيل أعمق عن تفاعلاتهم، مما يتيح استهدافاً إعلانياً غير مسبوق. بالإضافة إلى ذلك، تطرح المتصفحات الوكيلة مخاطر أمنية جديدة، حيث يمكن أن تُستخدم لأغراض ضارة إذا تم استغلالها بشكل سيء.

هذا التحول قد يؤدي أيضاً إلى إعادة تعريف مبدأ “الويب المفتوح”، حيث قد يتحول الإنترنت إلى بيئة أكثر انغلاقاً، مما يثير تساؤلات حول حقوق الملكية الفكرية والتنوع الفكري في الوصول إلى المعلومات.

يمكننا استشراف عدة سيناريوهات لمستقبل هذه المتصفحات وتأثيرها على النظام الرقمي العالمي. قد نرى احتكاراً رقمياً جديداً إذا نجحت شركات محدودة في الهيمنة على السوق، أو قد نشهد تنظيمات صارمة لحماية حقوق الناشرين وضمان الخصوصية. السيناريو الأكثر احتمالاً هو تحقيق توازن ديناميكي بين القوى المختلفة، مما يستدعي يقظة مستمرة من الحكومات والمجتمع الرقمي لضمان عدم انزلاق السوق نحو الاحتكار.

في النهاية، يمثل صعود متصفحات الذكاء الاصطناعي الوكيلة تحولاً جذرياً في كيفية تعاملنا مع المعلومات، حيث يعيد تشكيل العلاقة بين المستخدم والمحتوى، وبين التكنولوجيا والسيادة. بينما تعد هذه المتصفحات بتجربة أكثر كفاءة، فإنها تحمل في طياتها مخاطر تهدد استقلالية الناشرين وخصوصية المستخدمين.