تتجه الأنظار إلى الفضاء مع دخول الصين في سباق جديد لبناء أول مركز بيانات ذكي هناك، مستفيدةً من الطاقة الشمسية. في الوقت نفسه، تعمل شركات أمريكية مثل SpaceX وGoogle على تطوير مراكز بيانات قادرة على العمل في الفضاء. وفي هذا السياق، أطلقت Starcloud قمراً صناعياً مزوداً بوحدة معالجة رسومية، مخصصاً لتدريب الذكاء الاصطناعي في الفضاء. تركز هذه الجهود على تقليل انبعاثات الكربون وزيادة كفاءة استخدام الطاقة، مما يعكس تحولاً كبيراً في مستقبل الاتصال والحوسبة.

من سطح الأرض إلى المدار، انتقلت المنافسة بين القوى الكبرى إلى مرحلة جديدة، حيث لم تعد المعركة تدور حول الهبوط على القمر، بل حول بناء أول مركز بيانات ذكي خارج الغلاف الجوي. يبدو أن الصين تتقدم بخطوات ثابتة في هذا السباق نحو الحوسبة الفضائية.

الصين تضع أول حجر في طريق «الحوسبة المدارية»

يعمل الباحثون في معهد تكنولوجيا الحوسبة التابع للأكاديمية الصينية للعلوم على مشروع طموح لإطلاق مركز بيانات يعتمد على آلاف وحدات المعالجة عالية الأداء في مدار منخفض حول الأرض. الهدف من هذا المشروع ليس فقط استضافة الذكاء الاصطناعي، بل جعله يعمل في بيئة فضائية تعتمد على الطاقة الشمسية. تمثل هذه الخطوة محاولة لتقليل استهلاك الطاقة والمياه الذي تستهلكه مراكز البيانات على الأرض، وفتح حقبة جديدة من الحوسبة المستدامة.

الولايات المتحدة لا تريد البقاء على الأرض

من جهة أخرى، تستثمر شركات التكنولوجيا الأمريكية الكبرى مثل Blue Origin وSpaceX وGoogle مليارات الدولارات لتطوير مراكز بيانات مدارية قادرة على معالجة المهام الذكية. إيلون ماسك يعمل على تجهيز أقمار Starlink لتحمل حمولات حوسبة متقدمة، بينما تختبر Google مشروعاً يسمى «سَن كاتشر»، الذي يسمح بوضع وحدات مصغرة لمعالجة البيانات على الأقمار الصناعية. المنافسة هنا ليست مجرد مسألة هيبة، بل تتعلق بالسيطرة على البنية التحتية لحوسبة الذكاء الاصطناعي في المستقبل.

ستاركلود تنقل معالجات إنفيديا إلى الفضاء

في هذا السياق، تبرز شركة Starcloud، المدعومة من إنفيديا، التي أطلقت قمراً صناعياً مزوداً بوحدة معالجة رسومية من نوع H100 إلى الفضاء. على متن هذا القمر، تم تدريب نموذج لغوي مصغّر يُدعى NanoGPT، ليصبح أول نموذج ذكاء اصطناعي يتم تدريبه في مدار حول الأرض. رغم بساطته التقنية، يحمل هذا الإنجاز رمزية كبيرة، حيث إن الحواسيب الخارقة بدأت تُولد خارج الغلاف الجوي.

نحو حوسبة نظيفة ومستمرة

تطمح Starcloud وغيرها من المشاريع إلى تشغيل مراكز بيانات تعمل بالكامل بالطاقة الشمسية، مما يقلل من انبعاثات الكربون ويزيد كفاءة استخدام الطاقة. في أوراقها البحثية، وصفت الشركة مراكز البيانات المدارية بأنها “مشروعات بمقياس جيجاوات”، يمكن أن تُعيد تعريف العلاقة بين التكنولوجيا والبيئة. بالنسبة للكثيرين، فإن الحوسبة المدارية ليست ترفاً علمياً، بل خطوة منطقية نحو البحث عن مصادر نظيفة للطاقة الحسابية اللازمة لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي العملاقة.

الصين تسعى إلى التفوق من جديد

في الوقت الذي تستعد فيه الشركات الأمريكية لاختبار نماذجها، كشفت الصين عن إنجاز آخر يتمثل في نشر كوكبة من الأقمار الصناعية التي تعمل كوحدة معالجة جماعية في الفضاء. تمثل هذه الكوكبة، التي تتكامل فيها المعالجة بالحوسبة الاصطناعية والاتصال المداري، النواة الأولى لما قد يصبح “حاسوباً خارقاً في المدار” بحلول ثلاثينيات هذا القرن. إذا تحقق ذلك، فقد تصبح بكين أول من يحول الفضاء إلى سحابة بيانات عالمية.


قد تبدو هذه المشاريع بعيدة عن حياتنا اليومية، لكنها تحمل آثاراً عميقة على مستقبل الاتصال والخصوصية واستهلاك الطاقة. مثلما غيّرت الأقمار الصناعية نظرتنا للأرض في القرن العشرين، فإن مراكز البيانات الفضائية قد تعيد تعريف معنى “الإنترنت” في القرن الحادي والعشرين. السؤال الآن لم يعد من سيطلق أول حاسوب خارق في الفضاء، بل كيف سيتغير شكل التقنية عندما يصبح الفضاء امتداداً لطاقة الحوسبة على الأرض.