كان من المفترض أن تأخذ الشرعية في اعتبارها قبل اتخاذ قرارها السريع بمغادرة الإمارات العربية المتحدة اليمن، أن تنظر إلى الوجود الإماراتي من زاوية صحيحة، أي كجزء من التحالف العربي الذي دخلت الإمارات تحت مظلته، وليس كطرف يمكن الاستغناء عنه أو إخراجه بقرار سياسي متسرع يخضع للضغوط الخارجية ورغبة واضحة من المملكة العربية السعودية.

الإمارات لم تدخل اليمن بمبادرة منفردة، بل كانت شريكاً رئيسياً في التحالف العربي، وبالتالي كان يجب مناقشة انسحابها أو بقائها ضمن هذا الإطار الجماعي، وليس من خلال قرار منفرد يفتقر إلى الحكمة السياسية ويغفل عن التضحيات التي قدمتها الإمارات طوال سنوات الحرب.

لعبت الإمارات دوراً محورياً في الجانب العسكري، وكان لها الفضل في وقف تمدد مليشيات الحوثي، التي لم تكتفِ بالانقلاب على الدولة في صنعاء، بل حاولت غزو الجنوب بقوة السلاح، إلا أن حساباتهم سقطت عندما واجهتهم الإمارات، التي خاضت معهم معركة حقيقية أدت لتحرير عدن ولحج والضالع، بدماء امتزجت فيها دماء الشهداء الجنوبيين مع أشقائهم الإماراتيين في مشهد أخوي لا يُنسى.

ولم يقتصر دور الإمارات على مواجهة الحوثيين فقط، بل شمل أيضاً مكافحة الإرهاب، حيث استثمرت التنظيمات الإرهابية الفراغ الأمني الناتج عن الحرب، ولكن الإمارات كانت في مقدمة من تصدّى لهذا الخطر، وشاركت مع القوات الجنوبية في حرب ضروس ضد القاعدة وداعش، وضد جماعة الإخوان المسلمين التي استخدمت الإرهاب كسلاح لتدمير الجنوب.

لولا الدور الإماراتي، لكان الجنوب اليوم رهينة بيد التنظيمات المتطرفة، ولما شهدت محافظات مثل عدن وأبين وشبوة وحضرموت حالة الأمن والاستقرار التي تنعم بها اليوم، تلك المحافظات التي كانت معاقل للإرهاب أصبحت اليوم أكثر أمناً بفضل تضحيات مشتركة لا يمكن تجاهلها.

عودة جماعة الإخوان المسلمين إلى واجهة المشهد، مستغلين الصراع في حضرموت والمهرة، ليست سوى نتيجة مباشرة لإضعاف الدور الإماراتي، حيث استثمرت هذه الجماعة الأزمة لإعادة ترتيب أوراقها وتعزيز نفوذها داخل مؤسسات الشرعية بدعم سعودي، مما ينذر بإعادة إنتاج الفوضى والإرهاب.

ليس من شيم اليمنيين، ولا من أخلاق الجنوبيين، أن يُقابل الوفاء بالجحود، أو أن تُكافأ التضحيات بقرارات سياسية مرتجلة، فالدور الذي لعبته الإمارات في اليمن، وبالأخص في الجنوب، لا يمكن إنكاره، ولا يجوز التعامل معه بعقلية المصالح الضيقة.

كان الأولى بالشرعية أن تشكر الإمارات، وأن تحافظ على شراكة استراتيجية أثبتت فاعليتها، بدلاً من طلب المغادرة بطريقة مهينة لا تليق بقيم اليمنيين وتاريخ التحالف العربي، فمثل هذه القرارات لا تضر بالإمارات، بل تفتح الأبواب أمام عودة الإرهاب وتضع الجنوب أمام تحديات أمنية وسياسية خطيرة سيدفع ثمنها أبناؤه أولاً.