منذ بداية التوتر في محافظة “حضرموت”، قامت المملكة العربية السعودية بدور فعال كوسيط لضمان الاستقرار في اليمن، وحرصت على تجنب المزيد من الصراعات الداخلية. عملت المملكة على احتواء الأزمة وتفادي أي تصعيد عسكري قد يؤدي إلى عواقب إنسانية وسياسية وخيمة، وكانت مقاربتها ترتكز على الحوار وتقديم الحلول السياسية كطريق وحيد لمعالجة الخلافات بين الأطراف اليمنية، مع التأكيد على أن أي تصعيد عسكري لن يجلب سوى تعقيد الموقف وزيادة معاناة الشعب.

منذ بداية الأزمة، سعت المملكة لفتح قنوات تواصل مع جميع الأطراف المعنية، وقدمت مبادرات تهدف إلى خفض التوتر وسحب القوات من نقاط الاحتكاك، كما أكدت أن حضرموت تمثل ركيزة أساسية للاستقرار في الجنوب، وأن أي محاولة لفرض واقع جديد بالقوة تتعارض مع متطلبات المرحلة الانتقالية.

هذا الدور لم يكن مجرد موقف ظرفي بل هو امتداد لنهج سياسي واضح تبنته المملكة على مدى سنوات، حيث تدعم الدولة اليمنية ومؤسساتها الشرعية، وتحافظ على وحدة اليمن وسلامة أراضيه، وتعمل على معالجة القضايا السياسية العالقة من خلال الحوار والتوافق الشامل. المملكة ترى أن القضية الجنوبية تمثل قضية سياسية عادلة لا يمكن تجاوزها في أي تسوية سياسية شاملة، وهي جزء أساسي من مخرجات الحوار الوطني.

لكن المملكة أيضًا أكدت أن عدالة القضية الجنوبية لا تعني احتكارها من قبل طرف واحد، بل يجب أن تُحل عبر التوافق وبناء الثقة بين جميع أبناء اليمن. وقد ركزت الجهود السعودية على الفصل بين جوهر القضية الجنوبية والممارسات السياسية لبعض القيادات التي تتسم بالتصعيد.

في خضم هذا الجدل، برز اسم عيدروس الزبيدي، رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي، كفاعل مركزي في التصعيد الحالي، حيث اعتبر البعض أن سلوكه يعكس نمطًا متكررًا من اتخاذ قرارات أحادية تتناقض مع متطلبات الشراكة الوطنية. منذ ظهوره كلاعب سياسي بعد العام 2017، ارتبط اسم الزبيدي بأزمات وصدامات داخل المحافظات الجنوبية، مما زاد من الانقسامات الداخلية بدلاً من توحيد الصف الجنوبي.

الزبيدي قدم نفسه كممثل وحيد للقضية الجنوبية، متجاهلاً التنوع الموجود في الجنوب، وهو ما يعتبره الكثيرون إقصاءً سياسيًا. كما انتقدت أوساط سياسية انخراطه في مجلس القيادة الرئاسي، حيث كان من المفترض أن يتحول من منطق الفصيل إلى منطق الدولة، لكنه استمر في إدارة ملف الجنوب بعقلية منفصلة، مما أضعف الثقة السياسية.

أثارت القرارات التي اتخذها الزبيدي، مثل التحركات العسكرية في حضرموت والمهرة، قلقًا كبيرًا ورفضًا شعبيًا، حيث اعتبرت هذه التحركات تهديدًا للسلم الأهلي. في ظل هذه التطورات، تزايدت الانتقادات الموجهة للزبيدي بسبب ازدواجية خطابه السياسي، حيث يطالب بانفصال الجنوب بينما يشغل منصبًا سياديًا في السلطة الانتقالية.

كما طُرحت تساؤلات حول ولاء الزبيدي السياسي، خاصة مع ما يتردد عن حصوله على جنسية دولة الإمارات، مما يعكس اتهامات له بتقديم أجندات خارجية على حساب المصلحة الوطنية. بعض المراقبين يرون أن الزبيدي استثمر القضية الجنوبية كأداة ضغط سياسي لتحقيق مكاسب شخصية، دون أن يحقق تقدماً حقيقياً في معالجة جذور القضية أو تحسين أوضاع المواطنين.

المملكة العربية السعودية بذلت جهودًا مكثفة لإيجاد مخرج للأزمة عبر مقترحات تهدف لإنهاء التصعيد، ولكن هذه الجهود قوبلت برفض من الزبيدي، الذي واصل اتخاذ قرارات أحادية. وقد تجلت هذه الممارسات في رفضه استقبال وفد سعودي، مما اعتبره البعض مؤشرًا على تعطيل قنوات الحوار.

في المقابل، أكدت المملكة أنها ستظل تدعم اليمن واستقراره، ولن تتجه إلى خيارات تصعيدية، بل ستعمل على دفع الأطراف نحو الالتزام بالمسار السياسي. وعلى المستوى المحلي، تتزايد الأصوات في حضرموت الرافضة لتواجد قوات المجلس الانتقالي، مؤكدة على قدرة المحافظة على إدارة شؤونها الأمنية عبر قوات تمثل أبناءها.

تشير هذه المواقف إلى حالة وعي متزايدة بخطورة عسكرة الخلافات السياسية، وفي الوقت ذاته، تواصل المملكة الرهان على القيادات الوطنية التي تدرك أهمية العودة إلى طاولة الحوار. المملكة تؤكد أن الفرصة لا تزال قائمة لتصحيح المسار إذا توفرت الإرادة السياسية، وأن الأزمة في حضرموت تمثل اختبارًا حقيقيًا لمدى الالتزام بالتوافق السياسي.

في النهاية، تبقى المملكة العربية السعودية عاملاً أساسياً في حماية فرص السلام ومنع انهيار الاستقرار، حيث تسعى لجمع الأطراف على كلمة واحدة تقوم على احترام الإرادة الشعبية ومعالجة قضايا اليمن بروح وطنية مسؤولة.