يبدو أن صناعة الأدوية على وشك دخول مرحلة جديدة قد تغير الكثير من معالمها، فدواء جديد يسمى رينتوسيرتيب، الذي طورته شركة إنسيليكو ميديسن باستخدام الذكاء الاصطناعي، يقترب من المرحلة الثالثة من التجارب السريرية، وهي الخطوة الأخيرة قبل الحصول على الموافقة الرسمية، هذا ليس مجرد تطوير عادي بل يمثل تحولاً قد يغير مستقبل الطب والبحث الدوائي بشكل جذري.

يستهدف رينتوسيرتيب مرض التليف الرئوي مجهول السبب، وهو مرض تنفسي خطير يسبب وفاة العديد من الأشخاص سنوياً، التجارب السريرية في المرحلة الثانية أظهرت تحسناً ملحوظاً في وظائف الرئة لدى المرضى الذين حصلوا على الجرعة الأعلى، بينما كانت النتائج في مجموعة الدواء الوهمي أقل بكثير، هذه النتائج التي نُشرت في مجلة علمية مرموقة أعطت دفعة قوية للدواء، والأمر الأكثر إثارة هو السرعة التي تم بها تطويره، حيث انتقل من مرحلة الاكتشاف إلى التجارب السريرية في أقل من عامين، بينما تستغرق هذه العملية عادة خمس سنوات، وهذا يفتح نقاشاً حول كيف يمكن أن يعيد الذكاء الاصطناعي تعريف زمن تطوير الأدوية.

هذه السرعة في تطوير الأدوية ترتبط بتزايد الاهتمام العالمي بالاستثمار في تقنيات الذكاء الاصطناعي في مجال الأدوية، حيث شهدت شركات تطوير الأدوية المدعومة بالذكاء الاصطناعي تدفقاً غير مسبوق من الاستثمارات، حيث تم ضخ حوالي ثلاثة مليارات دولار في هذا القطاع خلال تسعة أشهر فقط، ويعكس هذا الاتجاه إيماناً متزايداً بأن التقنيات الحديثة يمكن أن تعزز الكفاءة وتخفض التكاليف.

كبار الشركات في الصناعة بدأوا في سباق لتبني هذه التقنيات، حيث قامت شركات مثل إيلي ليلي ببناء بنية تحتية رقمية متطورة تشمل حواسيب فائقة قادرة على اختبار ملايين الجزيئات افتراضياً في وقت قصير، بعض الشركات الناشئة مثل تشاي ديسكفري حققت نجاحاً كبيراً بفضل نماذجها القادرة على توليد مركبات دوائية بمعدلات نجاح عالية، هذا السباق لا يقتصر فقط على الشركات بل يمتد إلى شخصيات بارزة في مجال التكنولوجيا التي تستثمر في مشاريع طموحة تتعلق بالصحة والعلاج.

في الوقت نفسه، شركة إنسيليكو قامت بطرح أسهمها في بورصة هونغ كونغ، مما جذب اهتمام مستثمرين كبار من مختلف القطاعات، وبعد ذلك أعلنت عن شراكات جديدة تهدف إلى تسريع تطوير أدوية أخرى باستخدام منصتها المعتمدة على الذكاء الاصطناعي، هذا النمو السريع يعكس ثقة متزايدة بأن الأساليب القائمة على البيانات ستصبح معياراً أساسياً في صناعة الأدوية.

بينما تتطور الأمور بسرعة، يبدو أن صناعة الأدوية تعيش بداية ثورة حقيقية يقودها الذكاء الاصطناعي، وإذا نجح رينتوسيرتيب في اجتياز المرحلة الثالثة من التجارب، فقد يكون دليلاً حياً على أن المستقبل قد بدأ بالفعل، مما يعد بتطوير أدوية أسرع وأكثر دقة وأقل تكلفة للمرضى حول العالم.